الصفحة 189 من 306

وإلى أين يتجه هذا الذي يعبد الله على حرف؟ إلى أين يتجه بعيدًا عن الله؟ إنه (يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ) : يدعو صنما أو وثنًا على طريقة الجاهلية الأولى، ويدعو شخصًا أو جهة أو مصلحة على طريقة الجاهلية المتناثرة في كل زمان ومكان، كلما انحرف الناس عن الاتجاه إلى الله وحده، والسير على صراطه ومنهجه .. فما هذا كله؟ إنه الضلال عن المتجه الوحيد الذي يجدي فيه الدعاء (ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) المغرق في البعد عن الهدى والاهتداء .. (يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ) . من وثن أو شيطان، أو سند من بني الإنسان .. وهذا كله لا يملك ضرًا ولا نفعًا، وهو أقرب لأن ينشأ عنه الضر، وضره أقرب من نفعه. ضره في عالم الضمير بتوزيع القلب، واثقاله بالوهم واثقاله بالذل، وضره في عالم الواقع وكفى بما يعقبه في الآخرة من ضلال وخسران.

فمن مسّه الضر في فتنة من الفتن وفي ابتلاء من الابتلاءات، فليثبت ولا يتزعزع، وليستبق ثقته برحمة الله وعونه، وقدرته على كشف الضراء، وعلى العوض والجزاء. فأما من يفقد ثقته في نصر الله في الدنيا والآخرة، ويقنط من عون الله له في المحنة حين تشتد المحنة. فدونه فليفعل بنفسه ما يشاء، وليذهب بنفسه كل مذهب، فما شيء من ذلك بمبدل ما به من البلاء (مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) والذي ييأس في الضر من عون الله يفقد كل نافذة مضيئة، وكل نسمة رخية، وكل رجاء في الفرج، ويستبد به الضيق، ويثقل على صدره الكرب، فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء. إلا أنه لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر الله. ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجه إلى الله. ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضر والكفاح للخلاص إلا بالاستعانة بالله. وكل حركة يائسة لا ثمرة لها، ولا نتيجة إلا زيادة الكرب، ومضاعفة الشعور به، والعجز عن دفعه بغير عون الله .. فليستبق المكروب تلك النافذة المضيئة التي تنسم عليه من روح الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت