إن الصوم يوقظ التقوى في القلوب، والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية ولو تلك التي تهجس في البال، والصوم يحكم سلوك المتعبد ويربي ضميره .. ومن الطبيعي أن يفرض الصوم على الأمة التي يفرض عليها الجهاد في سبيل الله لتقرير منهجه في الأرض وللقوامة به على البشرية، وللشهادة على الناس .. فالصوم هو مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة. ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد. كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها واحتمال ضغطها وثقلها إيثارًا لما عند الله من الرضى والمتاع. وهذه كلها عناصر لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك. والذي تتناثر على جوانبه الرغائب والشهوات والذي تهتف بسالكيه آلاف المغريات. وإن الغاية من الصوم هي الإعداد للدور العظيم الذي أخرجت هذه الأمة لتؤديه أداء تحرسه التقوى ورقابة الله وحساسية الضمير.
وهكذا يحتاج الداعية إلى هذا الزاد الكبير زاد العبادة (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ) اعبده واصطبر على تكاليف العبادة، وهي تكاليف الارتقاء إلى أفق المثول بين يدي المعبود والثبات في هذا المرتقى العالي. اعبده واحشد نفسك وعبئ طاقتك للقاء، والتلقي في ذلك الأفق العلوي .. إنها مشقة .. مشقة التجمع والاحتشاد والتجرد من كل شاغل ومن كل هاتف ومن كل التفات .. وإنها مع المشقة للذة لا يعرفها إلا من ذاق. ولكنها لا تنال إلا بتلك المشقة وإلا بالتجرد لها والاستغراق فيها، والتحفز لها بكل جارحة وخالجة. فهي لا تفشي سرها ولا تمنح عطرها إلا لمن يتجرد لها، ويفتح منافذ حسه وقلبه جميعًا (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ) ..
والعبادة في الإسلام ليست مجرد الشعائر .. إنما هي كل نشاط: كل حركة، كل خالجة، كل نية، كل اتجاه .. وإنها لمشقة أن يتجه الإنسان في هذا كله إلى الله وحده دون سواه، مشقة تحتاج إلى الاصطبار ليتوجه القلب في كل نشاط الأرض إلى السماء وهو يستشعر في كل صغيرة وكبيرة أنه يتعبد الله فيرتفع في نشاطه كله إلى أفق العبادة الطاهر الوضيء. وإنه لمنهج يحتاج إلى الصبر والجهد والمعاناة.