الصفحة 178 من 306

التقوى هي زاد القلوب والأرواح منها تقتات .. وبها تتقوى وترف وتشرق. وعليها تستند في الوصول والنجاة وأولو الألباب هم أول من يدرك التوجيه إلى التقوى وخير من ينتفع بهذا الزاد (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) ..

التقوى: حساسية في الضمير وشفافية في الشعور وخشية مستمرة وحذر دائم وتوق لأشواك الطريق .. طريق الحياة .. الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات وأشواك المطامع والمطامح وأشواك المخاوف والهواجس، وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك إجابة رجاء، والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعًا ولا ضرًا وعشرات غيرها من الأشواك .. والتقوى هي التي تهيء لهذا القلب أن يلتقط وأن يتلقى وأن يستجيب .. (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) ..

وقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال بلى. قال فما عملت. قال شمرت واجتهدت. قال فذلك التقوى ..

هي الحارس اليقظ في الضمير يحرسه أن يغفل، ويحرسه أن يضعف، ويحرسه أن يحيد عن الطريق من هنا ومن هناك ولا يدرك الحاجة إلى هذا الحارس اليقظ إلا من يُعاني مشاق هذا الطريق ويعالج الانفعالات المتناقضة المتكاثرة المتواكبة في شتى الحالات وفي شتى اللحظات .. والاستقامة على الطريق والاعتدال والمضي على النهج دون انحراف هو في حاجة إلى التقوى، إلى اليقظة الدائمة والتدبر الدائم. والتحري الدائم بحدود الطريق وضبط الانفعالات البشرية التي تميل الاتجاه قليلًا أو كثيرًا ..

التقوى هي التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل .. التقوى الدائمة اليقظة التي لا تغفل ولا تفر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) ..

والمؤمن كلما اقترب بتقواه من الله تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ وإلى مرتبة وراء ما ارتقى، وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام. وهكذا الاستسلام. الاستسلام لله، طاعة له واتباعًا لمنهجه واحتكامًا إلى كتابه. هذه هي الركيزة الأولى التي تقوم عليها الجماعة الإسلامية لتحقق وجودها وتؤدي دورها إذ أنه بدون هذه الركيزة يكون كل تجمع تجمعًا جاهليًا ولا يكون هناك منهج لله تتجمع عليه أمة. إنما تكون مناهج جاهلية ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت