(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) .. ويحتاج الصبر على الكفر والاستهزاء والجحود والإعراض إلى تسبيح كثير حتى يرتفع ضيق الصدر .. فاتجه إلى ربك. سبح بحمده قبل طلوع الشمس وقبل غروبها. في هدأة الصبح وهو يتنفس ويتفتح بالحياة وفي هدأة الغروب والشمس تودّع والكون يغمض أجفانه. وسبح بحمده فقرات من الليل والنهار .. كن موصولًا بالله على مدار اليوم .. (لَعَلَّكَ تَرْضَى) .. إن التسبيح بالله اتصال. والنفس التي تتصل تطمئن وترضى وهي في ذلك الجوار الرضي. وتطمئن وهي في ذلك الحمى الآمن، فالرضا ثمرة التسبيح والعبادة وهو وحده جزاء حاضر ينبت من داخل النفس ويترعرع في حنايا القلب .. إنه لا بد للداعية من الزاد ليقوى به على مشاق الطريق .. وإن العبادة والذكر عنصر أساسي في منهج هذا الدين. إنه ليس منهج معرفة نظرية وجدل لاهوتي. إنه منهج حركة واقعية لتغيير الواقع البشري. وللواقع البشري جذوره وركائزه في نفوس الناس وفي أوضاعهم سواء .. وتغيير هذا الواقع الجاهلي إلى الواقع الرباني الذي يريده الله للناس وفق منهجه مسألة شاقة عسيرة تحتاج إلى جهد طويل وإلى صبر عميق. وطاقة صاحب الدعوة محدودة، ولا قِبَلَ له بمواجهة هذه المشقة دون زاد يستمده من ربه. إنه ليس العلم وحده وليست المعرفة وحدها، إنما هي العبادة لله والاستمداد منه، هي الزاد وهي السند وهي العون في الطريق الشاق الطويل (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) . إنه زاد الطريق وعدة الموكب الكريم في هذا الطريق. اذكر اسم ربك في الصباح والمساء واسجد له في الليل وسبحه طويلًا .. إنه الاتصال بالمصدر الذي نزّل القرآن. إنه الاتصال بصاحب الدعوة فهو ينبوع القوة، ومصدر الزاد والمدد .. الاتصال به ذكرًا وعبادة ودعاء وتسبيحًا .. ليلًا طويلًا .. فالطريق طويل والعبء ثقيل ولا بد من الزاد الكثير والمدد الكبير وهو هناك حيث يلتقي العبد بربه في خلوة وفي نجاء، وفي تطلع وفي أنس تفيض منه الراحة على التعب والضنى، وتفيض منه القوة على الضعف والقلة، وحيث تنقص الروح عنها صغائر المشاعر والشواغل، وترى عظمة التكليف وضخامة الأمانة فتستصغر ما لاقته وما تلاقي من أشواك الطريق.