الصفحة 173 من 306

إن هذا المنهج الإسلامي منهج عبادة .. والعبادة فيه ذات أسرار. ومن أسرارها أنها زاد الطريق. وأنها مدد الروح وأنها جلاء القلب. وأنه حيثما كان تكليف كانت العبادة هي مفتاح القلب لتتذوق هذا التكليف في حلاوة وبشاشة ويسر .. إن الله سبحانه حيثما انتدب محمدًا صلى الله عليه وسلم للدور الكبير الشاق قال له (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) . فكان الإعداد للقول الثقيل. والتكليف الشاق والدور العظيم هو قيام الليل وترتيل القرآن .. إنها العبادة التي تفتح القلب وتوثق الصلة وتيسر الأمر وتشرق بالنور وتفيض بالعزاء والسلوى والراحة والاطمئنان .. وقيام الليل هو الإعداد للمهمة الكبرى بوسائل الإعداد الإلهية المضمونة قيام الليل أكثره: أكثر من نصف الليل، ودون ثلثيه، وأقله ثلث الليل. هكذا كان يقوم الداعية العظيم محمد صلى الله عليه وسلم للصلاة وترتيل القرآن (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) .

إن قيام الليل والناس نيام، والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفاسفها، والاتصال بالله وتلقي فيضه ونوره، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن، وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة، واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي.

إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل والعبء الباهظ والجهاد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل. وينير للقلب في الطريق الشاق الطويل ويعصمه من وسوسة الشيطان ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير. والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره ويعلم ما يتسرب إليه وما يوقع عليه، وأي الأوقات يكون فيها أكثر تفتحًا واستعدادًا وتهيؤا، وأي الأسباب أعلق به وأشد تأثيرًا فيه. فهو سبحانه يقول (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) فالآية تقول: إن ناشئة الليل هي أشد وطئًا أي أجهد للبدن، وأقوم قيلًا: أي أثبت في الخير (كما قال مجاهد) فإن مغالبة هتاف النوم وجاذبية الفراش، بعد كد النهار، أشد وطئًا وأجهد للبدن ولكنها إعلان لسيطرة الروح واستجابة لدعوة الله، وإيثار للأنس به، ومن ثم فإنها أقوم قيلًا. لأن للذكر فيها حلاوته وللصلاة فيها خشوعها، وللمناجاة فيها شفافيتها، وإنها لتسكب في القلب أنسًا وراحة وشفافية ونورًا قد لا يجدها في صلاة النهار وذكره ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت