إن المتأمل في أسرار هذا القرآن وفي أسرار المنهج الرباني للتربية المتمثل فيه، يطلع على عجب من اللفتات النفسية النافذة إلى أعماق الروح البشرية. ومنها اللفتة في ساحة المعركة إلى الصلاة (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَاتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) . وهذا طبيعي بل بديهي في الاعتبار الإيماني. أن هذه الصلاة سلاح من أسلحة المعركة. بل إنها السلاح .. ولقد كان أولئك الرجال الذين تربوا بالقرآن وفق المنهج الرباني يلقون عدوهم بهذا السلاح الذي يتفوقون فيه قبل أي سلاح. لقد كانوا متفوقين في إيمانهم بإله واحد يعرفونه حق المعرفة. ويشعرون أنه معهم في المعركة. متفوقين كذلك في إيمانهم بهدف يقاتلون من أجله ويشعرون أنه أرفع الأهداف جميعًا. متفوقين أيضًا في تصورهم للكون والحياة ولغاية وجودهم الإنساني .. وكانت الصلاة رمزًا لهذا كله وتذكيرًا بهذا كله. ومن ثم كانت سلاحًا في المعركة بل كانت هي السلاح (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) .
وحين يطول الأمد ويشق الجهد قد يضعف الصبر أو ينفد إذا لم يكن هناك زاد ومدد. ومن ثم يقرن الله سبحانه الصلاة إلى الصبر. فهي المعين الذي لا ينضب والزاد الذي لا ينفد .. المعين الذي يجدد الطاقة والزاد الذي يزود القلب فيمتد حول الصبر ولا يتقطع ثم يضيف إلى الصبر الرضى والبشاشة والطمأنينة والثقاة واليقين .. إنه لا بد للإنسان الفاني المحدود أن يتصل بالقوة الكبرى يستمد منها العون حين يتجاوز الجهد قواه المحدودة. حين يواجه قوى الشر الباطنة والظاهرة. حينما يثقل عليه جهد الاستقامة على الطريق بين دفع الشهوات وإغراء المطامع. وحينما تثقل عليه مجاهدة الطغيان والفساد وهي عنيفة. حينما يطول به الطريق وتبعد به به الشقة في عمره المحدود ثم ينظر فإذا هو لم يبلغ شيئًا وقد أوشك المغيب. ولم يتل شيئًا وشمس العمر تميل للغروب. حينما يجد الشر نافشًا والخير ضاويًا ولا شعاع في الأفق ولا معالم في الطريق .. هنا تبدو قيمة الصلاة .. إنها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوة الباقية .. إنها الموعد المختار لالتقاء الفطرة المنعزلة بالنبع الذي لا يغيض. إنها مفتاح الكنز الذي يغني ويقني ويفيض، إنها الانطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير إلى مجال الواقع الكوني الكبير. إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة. إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب المكدود .. ومن هنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في الشدة قال: (أرحنا بها يا بلال) . ويكثر من الصلاة إذا حزبه أمر ليكثر من اللقاء بربه.