والتواصي بالصبر كذلك ضرورة. فالقيام على الإيمان والعمل الصالح، وحراسة الحق والعدل من أعسر ما يواجه الفرد والجماعة. ولا بد من الصبر. لا بد من الصبر على جهاد النفس وجهاد الغير. والصبر على الأذى والمشقة، والصبر على تبجح الباطل وتنفّج الشر. والصبر على طول الطريق وبطء المراحل، وانطماس المعالم وبعد النهاية .. والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف، ووحدة المتجه وتساند الجميع. وتزودهم بالحب والعزم والإصرار .. إلى آخر ما يثيره من معاني الجماعة التي لا يعيش حقيقة الإسلام إلا في جوها، ولا تبرز إلا من خلالها وإلا فهو الخسران والضياع (وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) . فالصبر هو العنصر الضروري للإيمان بصفة عامة والتواصي به يقرر درجة وراء درجة الصبر ذاته. درجة تماسك الجماعة المؤمنة وتواصيها على معاني الصبر وتعاونها على تكاليف الإيمان. فهي أعضاء متجاوبة الحس. تشعر جميعًا شعورًا واحدا بمشقة الجهاد لتحقيق الإيمان في الأرض وحمل تكاليفه. فيوصي بعضها بعضًا فلا تتخاذل، ويقوي بعضها بعضا فلا تنهزم. وهذا أمر غير الصبر الفردي .. وإن يكن قائمًا على الصبر الفردي (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) وهو إيحاء بواجب المؤمن في جماعة المؤمنة. وهو ألا يكون عنصر تخذيل بل عنصر تثبيت. ولا يكون داعية هزيمة بل داعية اقتحام، ولا يكون مثار جزع بل مهبط طمأنينة.