الصفحة 170 من 306

(وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) .. إن يونس لم يصبر على تكاليف الرسالة فضاق صدرًا بالقوم وألقى عبء الدعوة وذهب مغاضبًا. ضيق الصدر، حرج النفس، فأوقعه الله في الضيق الذي تهون إلى جانبه مضايقات المكذبين، ولولا أن تاب إلى ربه واعترف بظلمه لنفسه ودعوته وواجبه. لما فرج الله عنه هذا الضيق. ولكنها القدرة حفظته ونجته من الغم الذي يعانيه ..

وإن في قصة ذي النون لدرسًا لأصحاب الدعوات ينبغي أن يتأملوه، وأن في رجعة ذي النون إلى ربه واعترافه بظلمه لعبرة لأصحاب الدعوات ينبغي أن يتدبروها. وإن القرآن لا يقص قصة إلا ليواجه بها حالة. ولا يقرر حقيقة إلا ليغير بها باطلًا إنه يتحرك حركة واقعية حية في وسط واقعي حيّ. إنه لا يقرر حقائقه للنظر المجرد .. فلا يكفي أن يجاهد المؤمنون .. إنما هو الصبر على تكاليف هذه الدعوة أيضًا .. التكاليف المستمرة المتنوعة التي لا تقف عند الجهاد في الميدان. فربما كان الجهاد في الميدان أخف تكاليف هذه الدعوة التي يطلب لها الصبر ويختبر بها الإيمان .. إنما هناك المعاناة اليومية التي لا تنتهي. معاناة الاستقامة على أفق الإيمان والاستقرار على مقتضياته في الشعور والسلوك. والصبر في ذلك على الضعف الإنساني في النفس وفي الغير مما يتعامل معهم الداعية في حياته اليومية .. والصبر على الفترات التي يستعلي فيها الباطل وينتفش ويبدو كالمنتصر. والصبر على طول الطريق، وبُعد الشقة وكثرة العقبات. والصبر على وسوسة الراحة وهفوة النفس لها في زحمة الجهد والكرب والنضال. والصبر على أشياء كثيرة ليس الجهاد في الميدان إلا واحدًا منها. في الطريق المحفوف بالمكاره. طريق الجنة التي لا تنال بالأماني وبكلمات اللسان ..

هذا هو طريق العقيدة المرسوم. توحيد لله وشعور برقابته وتطلع إلى ما عنده، وثقة في عدله وخشية من عقابه. ثم انتقال إلى دعوة الناس وإصلاح حالهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. والتزود قبل ذلك كله للمعركة مع الشر بالزاد الأصيل. زاد العبادة لله والتوجيه إليه بالصلاة ثم الصبر على ما يصيب الداعية إلى الله من التواء النفوس وعنادها وانحراف القلوب واعراضها. ومن الأذى تمتد به الألسنة وتمتد به الأيدي ومن الابتلاء في المال والابتلاء في النفس عند الاقتضاء (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) وعزم الأمور قطع الطريق على التردد فيها بعد العزم والتصميم.

وإن الذين احتملوا في الطريق إلى الله ما احتملوا فلم ينكصوا ولم ييأسوا. الذين صبروا على فننة النفس وعلى فتنة الناس الذين حملوا أعباءهم وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب .. أولئك لن يتركهم لله وحدهم ولن يضيع أعمالهم ولن ينسى جهادهم. إنه سينظر إليهم من عليائه فيرضاهم وسينظر إلى صبرهم وإحسانهم فيجازيهم خير الجزاء (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) .. إنه الله يأمرنا بالصبر على مشقة بناء النفوس في أي جيل من الأجيال لتكوين الجماعة المسلمة التي تنهض بحمل أمانة هذه العقيدة وتحاول تحقيقها في عالم الواقع كما حققته الجماعة الأولى التي انتهت إلى ما انتهت إليه حتى صارت ذلك النموذج الفريد في تاريخ الإسلام وفي تاريخ البشرية جميعًا.

التواصي بالصبر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت