الصفحة 169 من 306

ولنقف أمام لفتة تستحق التدبر العميق .. إن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يلاقي ما يلاقي من الأذى والتكذيب والكبر والكنود يقال له (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) : أدّ واجبك وقف عنده. فأما النتائج فليست من أمرك. حتى شفاء صدره بأن يشهد تحقق وعيد الله للمتكبرين والمكذبين ليس له أن يعلق به قلبه .. إنه يعمل وكفى. يؤدي واجبه ويمضي. فالأمر ليس أمره. والقضية ليست قضيته. إن الأمر كله لله والله يفعل به ما يريد. ولمثل هذه اللفتة العميقة ينبغي أن تتوجه قلوب الدعاة إلى الله في كل حين. فهذا هو حزام النجاة في خضم الرغائب التي تبدو بريئة في أول الأمر ثم يخوض فيها الشيطان بعد ذلك ويعوم.

صبر مرير:

إن أصحاب الدعوات لا بد أن يحتملوا تكاليفها. وأن يصبروا على التكذيب بها. والإيذاء من أجلها. وتكذيب الصادق الواثق مرير على النفس حقًا. ولكنه بعض تكاليف الرسالة. فلا بد لمن يكلفون حمل الدعوات أن يصبروا ويحتملوا. ولا بد من أن يثابروا ويثبتوا. ولا بد أن يكرروا الدعوة ويبدئوا فيها ويعيدوا. إنه لا يجوز لهم أن ييأسوا من صلاح النفوس واستجابة القلوب. مهما واجهوا من إنكار وتكذيب. ومن عتو وجحود. فإذا كانت المرة المئة لم تصل إلى القلوب، فقد تصل المرة الواحد بعد المئة. وقد تصل المرة الواحد بعد الألف. ولو صبروا هذه المرة وحاولوا ولم يقنطوا لتفتحت لهم أرصاد القلوب.

إن طريق الدعوات ليس هينًا لينًا. واستجابة النفوس للدعوات ليست قريبة يسيرة فهناك ركام من الباطل والضلال والتقاليد والعادات، والنظم والأوضاع يجثم على القلوب. ولا بد من إزالة هذا الركام ولا بد من استحياء القلوب بكل وسيلة. ولا بد من لمس جميع المراكز الحساسة ومن محاولة العثور على العصب الموصل .. وإحدى اللمسات ستصادف مع المثابرة والصبر والرجاء. ولمسة واحدة قد تحول الكائن البشرية تحويلًا تامًا في لحظة متى أصابت اللمسة موضعها.

وإن الإنسان ليدهش أحيانًا وهو يحاول ألف محاولة، ثم إذا لمسة عابرة تصيب موضعها في الجهاز البشري فينتفض كله بأيسر مجهود. وقد أعيا من قبل كل مجهود.

وأقرب ما يحضرني للتمثيل لهذه الحالة جهاز الاستقبال عند البحث عن محطة الإرسال .. إنك لتحرك المشير مرات كثيرة ذهابًا وإيابًا فتخطئ المحطة وأنت تدقق وتصوب، ثم إذا حركة عابرة من يدك فتصل الموجة وتنطلق الأصداء والأنغام. إن القلب البشري هو أقرب ما يكون إلى جهاز الاستقبال. وأصحاب الدعوات لا بد أن يحاولوا تحريك المشير ليتلقى القلب من وراء الأفق. ولمسة واحدة بعد ألف لمسة قد تصله بمصدر الإرسال ..

إنه من السهل على صاحب الدعوة أن يغضب لأن الناس لا يستجيبون لدعوته، فيهجر الناس .. إنه عمل مريح. قد يفتأ الغضب ويهدئ الأعصاب. ولكن أين هي الدعوة؟ وما الذي عاد عليها من هجران المكذبين المعارضين .. إن الدعوة هي الًاصل لا شخص الداعية. فليضق صدره. ولكن ليكظم ويمض وخير له أن يصبر فلا يضيق صدره بما يقولون. إن الداعية أداة في يد القدرة والله أوعى لدعوته وأحفظ. فليؤد هو واجبه في كل ظرف وفي كل جو. والبقية على الله. والهدى هدى الله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت