الصفحة 168 من 306

والدعوة إلى الصبر والتوجيه إليه صاحبت كل دعوة وتكررت لكل رسول ولكل مؤمن يتبع الرسول، وهي ضرورية لثقل العبء ومشقة الطريق، ولحفظ هذه النفوس متماسكة راضية موصولة بالهدف البعيد منطلقة كذلك إلى الأفق البعيد. والصبر حتى يحكم الله في الوقت المقدر كما يريد (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) .. إن مشقة الدعوة الحقيقية هي مشقة الصبر لحكم الله حتى يأتي موعده في الوقت الذي يريده بحكمته. وفي الطريق مشقات التكذيب والتعذيب ومشقات الالتواء والعناد ومشقات انتفاش الباطل وانتفاخه، ومشقات افتتان الناس بالباطل المزهو المنتصر فيما تراه العيون ثم مشقات إمساك النفس عن هذا كله، راضية مستقرة مطمأنة إلى وعد الله الحق لا ترتاب ولا تتردد في قطع الطريق، مهما تكن مشقات الطريق .. وهو جهد ضخم مرهق يحتاج إلى عزم وصبر ومدد من الله وتوفيق (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا) والصبر الجميل هو الصبر المطمئن الذي لا يصاحب السخط ولا القلق ولا الشك في صدق الوعد. صبر الواثق من العاقبة، الراضي بقدر الله، الشاعر بحكمته من وراء الابتلاء. الموصول بالله المحتسب كل شيء عنده مما يقع به .. وهذا اللون من الصبر هو الجدير بصاحب الدعوة. فهي دعوة الله، وهي دعوة إلى الله، ليس له هو منها شيء، وليس له وراءها من غاية. فكل ما يلقاه فيها فهو في سبيل الله. وكل ما يقع في شأنها هو من أمر الله. فالصبر الجميل إذن ينبعث متناسقًا مع هذه الحقيقة ومع الشعور بها في أعماق الضمير .. والله صاحب الدعوة التي يقف لها المكذبون وصاحب الوعد الذي يستعجلون به ويكذبون. يقدر الأحداث ويقدر مواقيتها كما يشاء وفق حكمته وتدبيره للكون كله .. ولكن البشر لا يعرفون هذا التدبير وذلك التقدير فيستعجلون، وإذا طال عليهم الأمد يستريبون. وقد يساور القلق أصحاب الدعوة أنفسهم، وتجول في خاطرهم أمنية ورغبة في استعجال الوعد ووقوع الموعود .. عندئذ يأتي التثبيت من الله (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا) تثبيتًا للقلب على ما يلقى من عنت المناوأة والتكذيب .. (اصْبِر) .. إنها الإشارة إلى الطريق المطروق في حياة الرسل عليهم صلوات الله. الطريق الذي يضمهم أجمعين. فكلهم ساروا في هذا الطريق .. كلهم عانى. كلهم ابتلى. وكلهم صبر. وكان الصبر هو زادهم جميعاُ. وطابعهم جميعًا. كل حسب درجته في سلم الأنبياء .. لقد كانت حياتهم كلهم تجربة مفعمة بالابتلاءات مفعمة بالآلام. لكأنما كانت تلك الحياة المختارة -بل إنها كذلك- صفحات من الابتلاء والصبر معروضة للبشرية. لتسجل كيف تنتصر الروح الإنسانية على الآلام والضرورات وكيف تستعلي على كل ما تعتز به في الأرض، وتتجرد من الشهوات والمغريات، وتخلص لله وتنجح في امتحاناته وتختاره على كل شيء سواه. ثم لتقول للبشرية في النهاية هذا هو الطريق .. هذا هو الطريق إلى الاستعلاء وإلى الارتفاع. هذا هو الطريق إلى الله. فالصبر هو طريق الرسالات وطريق الدعوات (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) .. الدعوة إلى الصبر .. الصبر على التكذيب والصبر على الأذى. والصبر على نفخة الباطل وانتشائه بالغلبة والسلطان في فترة من الزمان. والصبر على طباع الناس وأخلاقهم وتصرفاتهم من هنا وهناك. والصبر على النفس وميولها وقلقها وتطلعها ورغبتها في النصر القريب وما يتعلق به من رغائب وآمال. والصبر على أشياء كثيرة في الطريق قد تجيء من جانب الأصدقاء قبل أن تجيء من جانب الأعداء .. (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) . مهما يطل الأمد ومهما تتعقد الأمور ومهما تتقلب الأسباب ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت