إن الصبر وسيلة للمؤمنين في الطريق الطويل الشائك الذي قد يبدو أحيانًا بلا نهاية والثقة بوعد الله والثبات بلا قلق ولا زعزعة ولا حيرة ولا شكوك .. الصبر والثقة والثبات على الرغم من اضطراب الآخرين ومن تكذيبهم للحق وشكهم في وعد الله وسبيل المؤمن الصبر مهما يطل هذا الطريق ومهما تحتجب نهايته وراء الضباب والغيوم .. والصبر ألوان، وللصبر مقتضيات .. صبر على تكاليف الميثاق من عمل وجهاد ودعوة واجتهاد .. الخ وصبر على النعماء والبأساء وقل من يصبر على النعمة فلا يبطر ولا يكفر، وصبر على حماقات الناس وجهالاتهم وهي تضيق الصدور، وصبر وصبر وصبر كله ابتغاء وجه الله (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ) لا تحرجا من أن يقول الناس جزعوا. ولا تجملا ليقول الناس صبروا ولا رجاء نفع من وراء الصبر. ولا دفعا يأتي به الجزع. ولا لهدف واحد غير ابتغاء وجه الله. والصبر على نعمته وبلواه صبر التسليم لقضائه والاستسلام لمشيئته والرضا والاقتناع ... والابتلاء لامتحان الصبر والتماسك والمقاومة والعزم فليس الصبر هو احتمال الذلّ والعذاب وكفى، ولكن الصبر هو احتمال العذاب بلا تضعضع ولا هزيمة روحية واستمرار العزم والاستعداد للوقوف في وجه الظلم والطغيان. والصبر توجيه من الله سبحانه لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي احتمل ما احتمل وعانى من قومه ما عانى (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ) .. ألا إنه لطريق شاق طريق هذه الدعوة وطريق مرير حتى لتحتاج نفس محمد صلى الله عليه وسلم في تجردها وانقطاعها للدعوة وفي ثباتها وصلابتها، وصفائها وشفافيتها. تحتاج إلى التوجيه الرباني بالصبر وعدم الاستعجال على خصوم الدعوة المتعنتين. نعم وإن مشقة هذا الطريق لتحتاج إلى مواساة، وإن صعوبته لتحتاج إلى صبر، وإن مرارته لتحتاج إلى جرعة حلوة من رحيق العظمة الإلهي المختوم (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) وهو زاد هذه الدعوة في طريقها الشاق الطويل. سواء في مسارب الضمير أو في طريقها في جهاد المناوئين وكلاهما شاق عسير (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) .. والصبر هو الصفة التي لا يستطيع المسلم حمل عقيدته والقيام بتكاليفها إلا بها، وهي تحتاج إلى الصبر في كل خطوة من خطواتها، الصبر على شهوات النفس، والصبر على الإسلام الخالص، إسلام القلب والوجه ومغالبته للهوى والشهوة والاستقامة على الدين وهو عسير على النفوس، وأعسر الصبر ما كان على الهوى والشهوة والالتواء والانحراف والصبر على مشاق الدعوة وعلى أذى الناس وعلى التواء النفوس وضعفها وانحرافها وتلوّنها. وعلى الابتلاء والامتحان والفتنة، وعلى السراء والضراء، والصبر على كلتيهما شاق عسير. فهو الكلية الأساسية في المنهج الإسلامي ..
وهكذا فإن موكب الدعوة إلى الله الموغل في القدم الضارب في شعاب الزمان ماض في الطريق اللاحب، وماض في الخط الواصب مستقيم الخطى، ثابت الأقدام يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل يقاومه التابعون من الضالين والمتبوعين ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء والموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد .. والعاقبة مهما طال الزمن للمؤمنين ..
إن نصر الله دائمًا في نهاية الطريق (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) . وهكذا يرتسم للدعاة إلى الله من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقهم طريقهم واضحًا ودورهم محددًا، كما ترتسم لهم متاعب الطريق وعقباته ثم ما ينتظرهم بعد ذلك كله في نهاية الطريق ..