الصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة، إنه طريق طويل شاق حافل بالعقبات والأشواك مفروش بالدماء والأشلاء والإيذاء والابتلاء .. الصبر على أشياء كثيرة. الصبر على شهوات النفس ورغباتها وأطماعها ومطامحها وضعفها ونقصها وعجلتها وملالها من قريب .. والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصورهم وانحراف طباعهم وأثرتهم وغرورهم، والتوائهم واستعجالهم للثمار. والصبر على تنفش الباطل ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشر، وغلبة الشهوة وتصعير الغرور والخيلاء، والصبر على قلة الناصر وضعف المعين، وطول الطريق ووسواس الشيطان في ساعات الكرب والضيق، والصبر على مرارة الجهاد .. هذا كله وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة من الألم والغيظ والحنق والضيق، وضعف الثقة أحيانًا في الخير، وقلة الرجاء أحيانًا في الفطرة البشرية، والملل واليأس أحيانًا والقنوط، والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والغلبة والانتصار واستقبال الرخاء في تواضع وشكر، وبدون خيلاء، والبقاء في السراء والضراء على صلة بالله واستسلام لقدره ورد الأمر إليه كله في طمأنينة وثقة وخشوع.
الصبر على هذا كله وعلى مشقة ما يصادف السالك في هذا الطريق الطويل لا تصوره حقيقة الكلمات. الكلمات لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاناة. إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقات الطريق وتذوقها، انفعالات وتجارب ومرارات، فيجب أن لا ينفذ صبر المؤمنين.
فإذا كان الباطل يصرّ ويصبر ويمضي في الطريق، فما أجدر الحق أن يكون أشدّ إصرارًا وأعظم صبرًا في المضي في الطريق ..
إن على الجماعة المسلمة أن لا تغفل عيونها أبدًا ولا تستسلم للرقاد فإن أعداءها لا يهادنونها قط في أي زمان وفي أي مكان .. إن هذه الدعوة تواجه الناس بمنهج حياة واقعي، منهج يتحكم في أموالهم كما يتحكم في نظام حياتهم ومعايشهم، منهج خيّر عادل مستقيم، ولكن الشر لا يستريح للنهج الخير العادل المستقيم. والباطل لا يحب الخير والعدل والاستقامة. والطغيان لا يسلّم للعدل والمساواة والكرامة. ومن ثم ينهد لهذه الدعوة أعداء من أصحاب الشر والباطل والطغيان. فينهد لحربها المستنفعون والمستغلون الذين لا يريدون أن يتخلوا عن الاستنفاع والاستغلال، وينهد لحربها الطغاة المستكبرون الذين لا يريدون أن يتخلوا عن الطغيان والاستكبار، وينهد لحربها المستهترون المنحلون لأنهم لا يريدون أن يتخلوا عن الانحلال والشهوات .. ولا بد من مجاهرتهم جميعًا، ولا بد من الصبر والمصابرة، ولا بد من اليقظة كي لا تؤاخذ الجماعة المسلمة على غرة من أعدائها الطبيعيين الدائمين في كل أرض وفي كل جيل .. هذه هي طبيعة الدعوة وهذا هو طريقها. إن الله سبحانه يؤيد الصابرين وهو معهم، ويثبتهم ويقويهم ويؤنسهم (إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) فلا يدعهم يقطعون الطريق وحدهم ولا يتركهم لطاقتهم المحدودة وقوتهم الضعيفة، إنما يمدهم حين ينفذ زادهم ويجدد عزيمتهم حين تطول بهم الطريق .. والأحاديث في الصبر كثيرة نذكر منها بعض ما يمد الجماعة المسلمة لحمل عبئها والقيام بدورها: