إن النهوض بواجب الدعوة إلى الله في مواجهة التواءات النفس البشرية وجهلها واعتزازها بما ألفت واستكبارها أن يقال: إنها كانت على ضلالة، وحرصها على شهواتها وعلى مصالحها وعلى مركزها الذي قد تهدده الدعوة إلى إله واحد كل البشر أمامه سواء .. إن النهوض بواجب الدعوة في مواجهة هذه الظروف أمر شاق ولكنه شأن عظيم (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا) إن كلمة الدعوة حينئذ هي أحسن كلمة تقال في الأرض، وتصعد في مقدمة الكلم الطيب إلى السماء. ولكن مع العمل الصالح الذي يصدق الكلمة، ومع الاستسلام الذي تتوارى معه الذات فتصبح الدعوة خالصة لله ليس للداعية فيها شأن إلا التبليغ ولا على الداعية بعد ذلك أن تُتلقى كلمته بالإعراض، أو بسوء الأدب أو بالتبجح في الإنكار، فهو إنما يتقدم بالحسنة، فهو في المقام الرفيع وغيره يتقدم بالسيئة فهو في المكان الدون (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ) ، وليس له أن يرد بالسيئة فإن الحسنة لا يستوي أثرها كما لا تستوي قيمتها مع السيئة. والصبر والتسامح والاستعلاء على رغبة النفس في مقابلة الشر بالشر يرد النفوس الجامحة إلى الهدوء والثقة فتنقلب من الخصومة إلى الولاء ومن الجماح إلى اللين (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) وتصدق هذه القاعدة في الغالبية الغالبة من الحالات، وينقلب الهياج إلى وداعة والغضب إلى سكينة والتبجح إلى حياء. على كلمة طيبة ونبرة هادئة وبسمة حانية في وجه هائج غاضب متبجح مفلوت الزمام. ولو قوبل بمثل فعله ازداد هياجًا وغضبًا وتبجحًا ومرودًا. وخلع حياءه نهائيًا. وأفلت زمامه وأخذته العزة بالإثم، غير أن تلك السماحة تحتاج إلى قلب كبير يعطف ويسمح وهو قادر على الإساءة والرّد. وهذه القدرة ضرورية لتؤتي السماحة أثرها، حتى لا يصور الإحسان في نفس المسيء ضعفًا. ولئن أحسّ أنه ضعف لم يحترمه. ولم يكن للحسنة أثرها إطلاقًا. وهذه السماحة قاصرة على حالات الإساءة الشخصية. لا العدوان على العقيدة وفتنة المؤمنين عنها. فأما في هذا فهو الدفع والمقاومة بكل صورة من صورها. أو الصبر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. وهذه الدرجة، درجة دفع السيئة بالحسنة، والسماحة التي تستعلي على دفعات الغيظ والغضب، والتوازن الذي يعرف متى تكون السماحة ومتى يكون الدفع بالحسنى. درجة عظيمة لا يلقاها كل إنسان. فهي في حاجة إلى الصبر. وهي كذلك حظ موهوب يتفضل الله به على عباده الذين يحاولون فيستحقون. إنها درجة عالية إلى حد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي لم يغضب لنفسه قط، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، قيل له، وقيل لكل داعية في شخصه (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فالغضب قد ينزغ ويلقي في الروع قلة الصبر على الإساءة أو ضيق الصبر على السماحة. فالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم حينئذ وقاية تدفع محاولاته لاستغلال الغضب والنفاذ من ثغرته. إن خالق هذا القلب البشري الذي يعرف مداخله ومساربه، ويعرف طاقته واستعداده، ويعرف من أين يدخل الشيطان إليه، يحوط قلب الداعية إلى الله من نزغات الغضب أو نزغات الشيطان مما يلقاه في طريقه مما يثير غضب الحليم ..