الصفحة 158 من 306

يجب على الداعية أن تتوفر فيه الطبيعة الخيرة الرحيمة الهينة اللينة، المعدة لأن تتجمع عليها القلوب وتتآلف حولها النفوس فيجب على الداعية أن يكون رحيمًا بمن معه، لينًا معهم، ولو كان فظًا غليظ القلب ما تأتلف حوله القلوب، ولا تتجمع حوله المشاعر. فالناس في حاجة إل كنف رحيم وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ودّ يسعهم وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم .. في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء، ويحمل همومهم، ولا يعنيهم بهمّه .. ويجدون عنده دائما الاهتمام والرعاية والعطف، والسماحة والود والرضاء.

وهكذا كان قلب الداعية العظيم محمد صلى الله عليه وسلم .. هكذا كانت حياته مع الناس، ما غضب لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، ولا احتجز لنفسه شيئًا من أعراض هذه الدنيا. بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية، ووسعهم حلمه، وبره وعطفه وودّه الكريم. وهذا ما شهد له به القرآن الكريم وخطّه الله في هذا الكتاب لتكون هذه الأخلاق روح كل داعية وعدته مع الناس (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) .

ويجب أن يكون اللين والتواضع والرفق الصورة الحسية المجسمة للداعية (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) صورة خفض الجناح كما يخفض الطائر جناحه حين يهم بالهبوط، وكذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين طوال حياته. فقد كان خلقه القرآن. وكان هو الترجمة الحية للقرآن الكريم الذي كان يُربيه (خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ، وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) خذ العفو الميسر الممكن من أخلاق الناس في المعاشرة والصحبة، ولا تطلب إليهم الكمال، ولا تكلفهم الشاق من الأخلاق، واعف عن أخطائهم وضعفهم ونقصهم .. كل أولئك في المعاملات الشخصية، لا في العقيدة الدينية ولا في الواجبات الشرعية. فليس في عقيدة الإسلام ولا شريعة الله يكون التغاضي والتسامح ولكن في الأخذ والعطاء والصحبة والجوار. وبذلك تمضي الحياة سهلة لينة. فالإغضاء عن الضعف البشري والعطف عليه والسماحة معه واجب الكبار الأقوياء تجاه الصغار الضعفاء. ورسول الله صلى الله عليه وسلم: راع وهاد ومعلم ومرب. فهو أولى الناس بالسماحة واليسر والإغضاء وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغضب لنفسه قط فإذا كان في دين الله لم يقم لغضبه شيء .. وكل أصحاب الدعوة مأمورون ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالتعامل مع النفوس البشرية لهدايتها يقتضي سعة صدر، وسماحة طبع ويسرًا وتيسيرا في غير تهاون ولا تفريط في دين الله ..

وإن للداعية إلى الله وصفًا وروحًا ولفظًا وحديثًا وأدبًا. ويتوجه بهذه الصورة وتلك الصفات الله تبارك وتعالى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى كل داعية من أمته. يقول للداعية: هذا هو منهجك، وأخلاقك مهما كانت الأمور (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت