الصفحة 150 من 306

إن المؤمن مُكلف هداية أهله وإصلاح بيته كما هو مكلف هداية نفسه وإصلاح قلبه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) . وإن الإسلام دين أسرة ومن ثم يقرر تبعة المؤمن في أسرته وواجبه في بيته. والبيت المسلم هو نواة الجماعة المسلمة، وهو الخليفة التي يتألف منها ومن الخلايا الأخرى ذلك الجسم الحي .. المجتمع الإسلامي ..

إن البيت الواحد قلعة من قلاع هذه العقيدة، ولا بد أن تكون القلعة متماسكة من داخلها، حصينة في ذاتها، كل فرد فيها يقف على ثغرة لا يُنفذ إليها. وإلا يكن كذلك سهُلَ اقتحام المعسكر من داخل قلاعه فلا يصعب على طارق ولا يستعصي على مُهاجم .. وواجب المؤمن أن يتجه بالدعوة أول ما يتجه إلى بيته وأهله. واجبه أن يؤمن هذه القلعة من داخلها. واجبه أن يسدّ الثغرات فيها قبل أن يذهب عنها بدعوته بعيدا .. ولا بد من الأم المسلمة. فالأب المسلمة وحده لا يكفي لتأمين القلعة.

لا بد من أب وأم ليقوما كذلك على الأبناء والبنات. فعبثًا يحاول الرجل أن ينشئ المجتمع الإسلامي بمجموعة من الرجال.

لا بد من النساء في هذا المجتمع، فهن الحارسات على النشئ، وهو بذور المستقبل وثماره. ومن ثم كان القرآن يتنزل للرجال والنساء، وكان ينظم البيوت ويقيمها على المنهج الإسلامي، وكان يُحمل المؤمنين تبعة أهلهم كما يحملهم تبعة أنفسهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) .. هذا أمر ينبغي أن يدركه الدعاة إلى الإسلام وأن يدركوه جيدًا.

إن أول الجهد ينبغي أن يُوجّه إلى البيت. إلى الزوجة. إلى الأم. ثم إلى الأولاد، وإلى الأهل بعامة. ويجب الاهتمام البالغ بتكوين المسلمة لتنشئ البيت المسلم. وينبغي لمن يريد بناء بيت مسلم أن يبحث له أولا عن الزوجة المسلمة. وإلا فسيتأخر طويلًا بناء الجماعة الإسلامية.

وسيظل البنيان متخاذلا كثير الثغرات. وفي الجماعة المسلمة الأولى كان الأمر أيسر مما هو في أيامنا هذه .. كان قد أنشئ مجتمع مسلم في المدينة يُهيمن عليه الإسلام، يهيمن عليه بتصوره النظيف للحياة البشرية، ويهيمن عليه بتشريعه المنبثق من هذا التصور. وكان المرجع فيه مرجع الرجال والنساء جميعًا إلى الله ورسوله. وإلى حكم الله وحكم رسوله. فإذا نزل الحكم فهو القضاء الأخير وبحكم وجود هذا المجتمع وسيطرة تصوره وتقاليده على الحياة كان الأمر سهلًا بالنسبة للمرأة لكي تصوغ نفسها كما يريد الإسلام.

وكان الأمر سهلًا بالنسبة للأزواج كي ينصحوا نساءهم ويُربّوا أبناءهم على منهج الإسلام.

نحن الآن في موقف متغير. نحن نعيش في جاهلية. جاهلية مجتمع. وجاهلية تشريع. وجاهلية أخلاق. وجاهلية تقاليد. وجاهلية نظم. وجاهلية آداب. وجاهلية ثقافة كذلك. والمرأة تتعامل مع هذا المجتمع وتشعر بثقل وطأته الساحقة حين تهم أن تلبي الإسلام. سواء اهتدت إليه بنفسها، أو هداها إليه رجلها، زوجها أو أخوها أو أبوها ..

هناك كان الرجل والمرأة والمجتمع يتحاكمون إلى تصور واحد وحكم واحد. وطابع واحد. فأما هنا .. فالرجل المسلم يتحاكم إلى تصور مجرد لا وجود له في دنيا الواقع. والمرأة تنوء تحت ثقل المجتمع الذي يعادي ذلك التصور عداء الجاهلية الجامح، وما من شك أن ضغط المجتمع وتقاليده على حس المرأة أضعاف ضغطه على حسّ الرجل.

وهنا يتضاعف واجب الرجل المؤمن. إن عليه أن يقي نفسه النار ثم عليه أن يقي أهله، وهم تحت هذا الضغط الساحق والجذب العنيف. فينبغي له أن يدرك ثقل هذا الواجب ليبذل له من الجهد المباشر أضعاف ما كان يبذله أخوه في الجماعة المسلمة الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت