الصفحة 135 من 306

إن البشرية اليوم بجملتها تزاول رجعية شاملة إلى الجاهلية التي أخرجها منها آخر رسول. محمد صلى الله عليه وسلم وهي جاهلية تتمثل في صور شتى: بعضها يتمثل في إلحاد بالله سبحانه وإنكار لوجوده .. فهي جاهلية اعتقاد وتصور كجاهلية الشيوعيين .. وبعضها يتمثل في اعتراف مشوه بوجود الله سبحانه وانحراف في الشعائر التعبدية وفي الدينونة والاتباع والطاعة كجاهلية الوثنيين من الهنود وغيرهم .. وكجاهلية اليهود والنصارى كذلك ... وبعضها يتمثل في اعتراف صحيح بوجود الله سبحانه وأداء الشعائر التعبدية مع انحراف خطير في تصور دلالة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ومع شرك كامل في الدينونة والاتباع والطاعة وذلك كجاهلية من يُسمون أنفسهم مسلمين ويظنون أنهم أسلموا واكتسبوا صفة الإسلام وحقوقه بمجرد نطقهم بالشهادتين وأدائهم للشعائر التعبدية مع سوء فهمهم لمعنى الشهادتين ومع استسلامهم ودينونتهم لغير الله من العبيد ..

وكلها جاهلية. وكلها كفر بالله كالأولين أو شرك بالله كالآخرين ..

إن رؤية واقع البشرية على هذا النحو الواضح، تؤكد لنا أن البشرية اليوم بجملتها قد ارتدت إلى جاهلية شاملة وأنها تعاني رجعية نكدة إلى الجاهلية التي أنقذها منها الإسلام مرات متعددة كان آخرها الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم .. وهذا بدوره، يُحدد طبيعة الدور الأساسي لطلائع البعث الإسلامي والمهمة الأساسية التي عليها أن تقوم بها للبشرية ونقطة البدء الحاسمة في هذه المهمة ...

إن على هذه الطلائع أن تبدأ في دعوة البشرية من جديد إلى الدخول في الإسلام كرّة أخرى والخروج من هذه الجاهلية النكدة التي ارتدّت إليها. على أن تُحدد للبشرية مدلول الإسلام الأساسي: وهو الاعتقاد بألوهية الله وحده، وتقديم الشعائر التعبدية لله وحده، والدينونة والاتباع والطاعة والخضوع في أمور الحياة كلها لله وحده .. وأنه بغير هذه المدلولات كلها لا يتم الدخول في الإسلام ولا تُحتسب للناس صفة المسلمين ولا تكون لهم تلك الحقوق التي يُرتّبها الإسلام لهم في أنفسهم وأموالهم كذلك. وإن تخلف أحد هذه المدلولات كتخلفها جميعا، يُخرج الناس من الإسلام إلى الجاهلية ويصمهم بالكفر أو بالشرك قطعا .. إنها دورات جديدة من دورات الجاهلية التي تَعقب الإسلام. فيجب أن تواجهها دورة من دورات الإسلام الذي يُواجه الجاهلية ليرد الناس إلى الله مرة أخرى، ويخرجهم من عبادة العبادة إلى عبادة الله وحده. ولا بد أن يصل الأمر إلى ذلك المستوى من الحسم والوضوح في نفوس العصبة المسلمة التي تعاني من مواجهة الجاهلية الشاملة في هذه الفترة النكدة من حياة البشرية .. فإنه بدون هذا الحسم وهذا الوضوح تعجز طلائع البعث الإسلامي عن أداء واجبها في هذه الفترة الحرجة من تاريخ البشرية: وتتأرجح أمام المجتمع الجاهلي -وهي تحسبه مجتمعا مسلما- وتفقد تحديد أهدافها الحقيقية بفقدانها لتحديد نقطة البدء من حيث تقف البشرية فعلا، لا من حيبث تزعم. والمسافة بعيدة بين الزعم والواقع .. بعيدة جدا ..

إن نقطة البدء الآن هي نقطة البدء في أول عهد الناس برسالة الإسلام أن يوجد في بقعة من الأرض ناس يدينون دين الحق فيشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .. ومن ثم يدينون لله وحده بالحاكمية والتشريع ويطبقون هذا في واقع لحياة .. ثم يحاولون أن ينطلقوا في الأرض بهذا الإعلان لتحرير الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت