وحين يتعارض العِرض مع متطلبات هذه الأصنام فإن العرض هو الذي يُضحّى، ويكون هذا هو الشرف الذي يُراق على جوانبه الدم كما تقول الأبواق المنصوبة حول الأصنام ومن ورائها أولئك الأرباب من الحكام .. إن كل التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله ليعبد الله وحده في الأرض وليتحرر البشر من عبادة الطواغيت والأصنام ولترتفع الحياة الإنسانية إلى الأفق الكريم الذي أراده الله للإنسان .. إن كل هذا التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله ليبذل مثلها وأكثر من يدينون لغير الله .. والذين يخشون العذاب والألم والاستشهاد وخسارة الأنفس والأولاد والأموال إذا هم جاهدوا في سبيل الله، عليهم أن يتأملوا ماذا تكلفهم الدينونة لغير الله في الأنفس والأموال والأولاد وفوقها الأخلاق والأعراض .. إن تكاليف الجهاد في سبيل الله في وجه طواغيت الأرض كلها لن تكلفهم ما تكلفهم الدينونة لغير الله، وفوق ذلك كله الذل والدنس والعار ... وأخيرًا فإن توحيد العبادة والدينونة لله وحده، ورفض العبودية والدينونة لغيره من خلقه ذو قيمة كبيرة في صيانة الجهد البشري من أن يُنفق في تأليه الأرباب الزائفة كي يوجه بجملته إلى عمارة الأرض وترقيتها وترقية الحياة فيها ..
وهناك ظاهرة واضحة متكررة وهي أنه كلما قام عبد من عبيد الله ليقيم من نفسه طاغوتا يُعبد الناس لشخصه من دون الله .. احتاج هذا الطاغوت كي يُعبد (أي يُطاع ويُتّبع) إلى أن يُسخر كل القوى والطاقات: تُسبّح بحمده وتُرتل ذكره وتنفخ في صورته العبدية الهزيلة لتتضخّم وتشغل مكان الألوهية العظيمة، وألا تكف لحظة واحدة عن النفخ في تلك الصورة العبدية الهزيلة وإطلاق الترانيم والتراتيل حولها، وحشد الجموع بشتّى الوسائل للتسبيح باسمها وإقامة طقوس العبادة لها ... وهو جهاد ناصب لا يفرغ أبدا. لأن الصورة العبدية الهزيلة تنكمش وتهزل وتتضاءل كلما سكن من حولها النفخ والطبل والزمر والبخور والتسابيح والتراتيل .. وفي هذا الجهد الناصب تصرف طاقات وأموال وأرواح أحيانًا وأعراض. ولو أنفق بعضها في عمارة الأرض والإنتاج المثمر لترقية الحياة البشرية وإغنائها لعاد على البشرية بالخير الوفير .. ولكن هذه الطاقات والأموال والأرواح أو الأعراض لا تنفق في هذا السبيل المثمر ما دام الناس لا يدينون لله وحده وإنما يدينون للطواغيت من دونه ... ومن هذه اللمحة يتكشّف مدى خسارة البشرية في الطاقات والأموال والعمارة والإنتاج من جراء تنكبها عن الدينونة لله وحده وعبادة غيره من دونه .. وذلك فوق خسارتها في الأرواح والأعراض والقيم والأخلاق وفوق الذل والقهر والدنس والعار. وليس هذا في نظام أرضي دون نظام وإن اختلفت الأوضاع واختلفت ألوان التضحيات ..
والخلاصة التي ينتهي إليها القول في هذه القضية: أنه يتجلى بوضوح أن قضية الدينونة والاتباع والحاكمية التي يعبّر القرآن عنها بالعبادة هي قضية عقيدة وإيمان وإسلام وليست قضية فقه أو سياسة أو نظام .. إنها قضية عقيدة تقوم أو لا تقوم. وقضية إيمان يوجد أو لا يوجد. وقضية إسلام يتحقّق أو لا يتحقق .. ثم هي بعد ذلك لا قِبَله قضية منهج للحياة الواقعية يتمثل في شريعة ونظام وأحكام وفي أوضاع وتجمعات تتحقق فيها الشريعة والنظام وتنفذ فيها الأحكام. وكذلك إن قضية العبادة ليست قضية شعائر وإنما هي قضية دينونة واتباع ونظام وشريعة وفقه وأحكام ليست قضية شعائر وإنما هي قضية دينونة واتباع ونظام وشريعة وفقه وأحكام وأوضاع في واقع الحياة .. وأنها من أجل أنها كذلك استحقت كل هذه الرسل والرسالات واستحقت كل هذه العذابات والتضحيات .. وهنا يقف الدعاة ليواجهوا الجاهلية العنيدة ..