الصفحة 136 من 306

يجب أن نقف وقفة طويلة مع القرآن الكريم نحن أصحاب الدعوة إلى هذا الدين في هذا الجيل وفي كل جيل، فإن مدى التوجيه في القرآن الكريم يتجاوز المناسبة التاريخية الخاصة، وينسحب على جميع الأجيال، وجميع الدعاة، ويرسم منهجًا للدعوة إلى هذا الدين لا يتقيّد بالزمان والمكان، ولنقف هنا عند معالم الطريق:

إن طريق الدعوة إلى الله شاق محفوف بالمكاره، مع أن نصر الله للحق آت لا ريب فيه، إلا إن هذا النصر إنما يأتي في موعده الذي يقدره الله وفق علمه وحكمته وهو غيب لا يعلم موعده أحد حتى ولا الرسول. والمشقة في هذا الطريق تنشأ عن عاملين أساسيين: عن التكذيب والإعراض اللذين تقابل بهما الدعوة في أول الأمر، والحرب والأذى اللذين يُعلنان على الدعاة .. ثم من الرغبة البشرية في نفس الداعية في هداية الناس إلى الحق الذي تذوّقه وعَرف طعمه، والحماسة للحق والرغبة في استعلائه. وهذا الرغبة لا تقل مشقة عن التكذيب والإعراض والحرب والأذى فكلها من دواعي مشقة الطريق.

والتوجيه القرآني يعالج هذه المشقة من جانبيها .. وذلك حين يقرر أن الذين يكذبون بهذا الدين أو يحاربون دعوته. يعلمون علم اليقين أن ما يدعون إليه هو الحق وأن الرسول الذي جاء من عند الله صادق. ولكنهم مع هذا العلم لا يستجيبون ويستمرون في جحودهم عنادًا وإصرارًا، لأن لهم هوى في الإعراض والتكذيب. وأن هذا الحق يحمل معه دليل صدقه وهو يخاطب الفطرة فتستجيب له متى كانت هذه الفطرة حية. وأجهزة الاستقبال فيها صالحة (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) . فأما الذين يجحدون فإن قلوبهم ميتة وهم موتى وهم صم وبكم في الظلمات. والرسول لا يُسمع الموتى ولا يُسمع الصمّ الدعاء.

والداعية ليس عليه أن يبعث الموتى. فذلك من شأن الله .. هذا كله من جانب ومن الجانب الآخر فإن نصر الله آت قريب لا ريب فيه .. كل ما هنالك أنه يجري وفق سنة الله وبقدر الله، وكما أن سنة الله لا تستعجل، وكلماته لا تتبدل. من ناحية مجيء النصر في النهاية، فكذلك هي لا تتبدل ولا تستعجل من ناحية الموعد المرسوم .. والله لا يعجل لأن الأذى والتكذيب يلحق بالدعاة ولو كانوا هم الرسل. فإن استسلام صاحب الدعوة نفسه لقدر الله بلا عجلة، وصبره على الأذى بلا تململ ويقينه في العاقبة بلا شك .. كلها مطلوبة من وراء تأجيل النصر إلى موعده المرسوم. ويحدد التوجيه القرآني دور الرسول في هذا الدين ودور الدعاة بعده في كل جيل .. إنه التبليغ والمضي في الطريق، والصبر على مشاق الطريق .. أما هدى الناس وضلالهم إنما يتبعان سنة إلهية لا تتبدل فهو خارج عن حدود واجبه وطاقته. ولا يغير منها رغبة الرسول في هداية من يُحب. كما لا يغير منها ضيقه ببعض من يعاند ويحارب أن شخصه لا اعتبار له في هذه القضية وحسابه ليس على عدد المهتدين إنما حسابه على ما أدى. صبر وما التزم. وما استقام كما أمر .. وأمر الناس بعد ذلك إلى رب الناس (مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَا يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) .. (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت