إن الجاهلية هي الجاهلية فلا تتغير إلا الأشكال والظروف. إنه مشهد بائس لاستعباد الواقع المألوف. هذا الاستعباد الذي يسلب الإنسان خصائص الإنسان، ويدعه عبدًا للعادة والتقليد، وعبدًا لما تفرضه عليه أهواؤه وأهواء العبيد من أمثاله .. إن مشركي اليوم ومشركاته يتلقون هذه الأزياء عن الأرباب الأرضية ..
إن بيوت الأزياء ومصمميها وأساتذة التجميل ودكاكينها لهي الأرباب التي تكمن وراء هذا الخبل الذي لا تفيق منه نساء الجاهلية الحاضرة ولا رجالها كذلك .. إن هذه الأرباب تُصدر أوامرها فتطيعها القطعان والبهائم العارية في أرجاء الأرض طاعة مزرية. وسواء كان الزي الجديد لهذا العام يناسب قوام أية امرأة أو لا يناسبه، وسواء كانت مراسم التجميل تصلح لها أو لا تصلح فهي تطيع صاغرة .. تطيع تلك الأرباب. وإلا عُيِّرت من بقية البهائم المغلوبة على أمرها .. ومن ذا الذي يقبع وراء بيوت الأزياء، ووراء دكاكين التجميل؟ ووراء سعار العري والتكشف؟ ووراء الأفلام والصور والروايات والقصص والمجلات والصحف التي تقود هذه الحملة المسعورة .. وبعضها يبلغ في هذا إلى حدّ أن تصبح المجلة أو القصة ماخورا متنقلا للدعارة؟. مَن الذي يقبع وراء هذا كله؟ الذي يقبع وراء هذا كله، وراء هذه الأجهزة كلها في العالم كله. يهود .. يهود يقومون بخصائص الربوبية على البهائم المغلوبة على أمرها، ويبلغون أهدافهم كلها من إطلاق هذه الموجات المسعورة في كل مكان .. أهدافهم من تلهية العالم كله بهذا السعار وإشاعة الانحلال النفسي والخلقي من ورائه، وإفساد الفطرة البشرية وجعلها ألعوبة في أيدي مصممي الأزياء والتجميل وأدوات الزينة، وسائر الصناعات الكثيرة التي تقوم على هذا الشعار وتُغذيه.
إن قضية اللباس والأزياء ليست منفصلة عن شرع الله ومنهجه للحياة .. إنها ترتبط بالعقيدة وبالشريعة بأسباب شتى: إنها تتعلق قبل كل شيء بالربوبية وتحديد الجهة التي تُشرع للناس في هذه الأمور ذات التأثير العميق في الأخلاق والاقتصاد وشتى جوانب الحياة. كذلك تتعلق بإبراز خصائص الإنسان في الجنس البشري، وتغليب الطابع الإنساني في هذا الجنس على الطابع الحيواني ..
والجاهلية تمسخ التصورات والأذواق والقيم والأخلاق، وتجعل العري الحيواني تقدمًا ورقيًا، والستر الإنساني تأخر ورجعية. وليس بعد ذلك مسخ لفطرة الإنسان وخصائص الإنسان .. وبعد ذلك عندنا جاهليون يقولون ما للدين والزي؟ ما للدين وملابس النساء؟ ما للدين والتجميل؟ إنه المسخ الذي يصيب الناس في الجاهلية في كل زمان وفي كل مكان .. ولأن هذه القضية التي تبدو فرعية، لها كل هذه الأهمية في ميزان الله وفي حساب الإسلام لارتباطها أولا بقضية التوحيد والشرك، ولارتباطها ثانياُ بصلاح فطرة الإنسان، وخلقه ومجتمعه وحياته، أو بفساد هذا كله.
والفطرة السليمة تنفر من انكشاف سوآتها الجسدية والنفسية وتحرص على سترها ومواراتها .. والذين يحاولون تعرية الجسم من اللباس وتعرية النفس من التقوى ومن الحياء ومن الله ومن الناس. والذين يطلقون ألسنتهم وأقلامهم وأجهزة التوجيه والإعلام كلها لتأصيل هذه المحاولة في شتى الصور والأساليب الشيطانية الخبيثة هم الذين يريدون سلب الإنسان خصائص فطرته وخصائص إنسانيته التي بها صار إنسانًا، وهم الذين يريدون إسلام الإنسان لعدوه الشيطان، وما يريده من نزع لباسه وكشف سوآته، وهم الذين ينفذون المخططات الصهيونية الرهيبة لتدمير الإنسانية وإشاعة الانحلال فيها لتخضع لملك صهيون بلا مقاومة. وقد فقدت مقوماتها الإنسانية ..