ثم هم يقعون فرائس لألوان من العبودية للعبيد .. يقعون في شر ألوان العبودية للحكام والرؤساء الذين يصرفونهم وفق شرائع من عند أنفسهم، لا ضابط لها ولا هدف إلا حماية مصالح المشرعين أنفسهم سواء تمثل هؤلاء المشرعون في فرد حاكم أو في طبقة حاكمة أو في جنس حاكم. فالنظرة على المستوى الإنساني الشامل تكشف عن هذه الظاهرة في كل حكم بشري لا يستمدّ من الله وحده ولا يتقيد بشريعة الله لا يتعدّاها .. ولكن العبودية للعبيد لا تقف عند حدود العبودية للحكام والرؤساء والمشرعين ..
فهذه هي الصورة الصارخة، ولكنها ليست هي كل شيء إن العبودية للعباد تتمثل في صور أخرى خفية ولكنها قد تكون أقوى وأعمق وأقسى من هذه الصورة. ونضرب مثلا لهذا تلك العبودية لصانعي المودات والأزياء مثلا، أي سلطان لهؤلاء على قطيع كبير جدا من البشر؟ كل الذين يُسمونهم متحضرين .. إن الزي المفروض من آلهة الأزياء سواء في الملابس أو العربات أو المباني أو المناظر أو الحفلات .. الخ. ليمثل عبودية صارمة لا سبيل لجاهلي أو لجاهلية أن يفلت منها، أو يفكر في الخروج عنها. ولو دان الناس في هذه الجاهلية الحضارية لله بعض ما يدينون لصانعي الأزياء لكانوا عبادًا متبتلين .. فماذا تكون العبودية إن لم تكن هذه؟ وماذا تكون الحاكمية والربوية إن لم تكن هي حاكمية وربوبية صانعي الأزياء أيضًا؟ ...
وإن الإنسان ليبصر أحيانا بالمرأة المسكينة وهي تلبس ما يكشف عن سوآتها وهو في الوقت ذاته لا يناسب شكلها ولا تكوينها، وتصنع من الأصباغ ما يتركها شائهة أو مثارًا للسخرية. ولكن الألوهية القاهرة لأرباب الأزياء والمودات تقهرهما وتذلّها لهذه المهانة التي لا تملك لها ردًا، ولا تقوى على رفض الدينونة لها لأن المجتمع كله من حولها يدين لها .. فكيف تكون الدينونة إن لم تكن هي هذه؟ وكيف تكون الحاكمية والربوبية إن لم تكن هي تلك؟ .. وليس هذا إلا مثلًا واحدًا للعبودية المذلّة حين لا يدين الناس لله وحده وحين يدينون لغيره من العبيد .. وليست حاكمية الرؤساء والحكام وحدها هي الصورة الكريهة المذلة لحاكمية البشر للبشر ولعبودية البشر للبشر .. وهذا يقودنا إلى قيمة توحيد العبادة والدينونة في صيانة أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم التي تصبح كلها ولا عاصم لها عندما يُدين العباد للعباد في صورة من صور الدينونة .. سواء في حاكمية التشريع أو في صورة حاكمية الأعراف والتقاليد وفي صورة حاكمية الاعتقاد والتصور .. هذه هي الحقيقة ..
هكذا تصنع الجاهلية بالناس .. هكذا تمسخ فطرتهم وأذواقهم وتصوراتهم وقيمهم وموازينهم. ماذا تصنع الجاهلية الحاضرة بالناس إلا أن تُعريهم من اللباس وتعريهم من التقوى والحياء؟ ثم تدعو هذا رقيا وحضارة وتجديدا، ثم تُعيِّر الكاسيات من الحرائر العفيفات المسلمات بأنهن (رجعيات) . (تقليديات) . (ريفيات) .. المسخ هو المسخ .. والانتكاس عن الفطرة. وماذا تقول الجاهلية اليوم عن المُهتدين بهدي الله؟ إنها تُسميهم الضّالين، وتَعد من يهتدي منهم ويرجع بالرضى والقبول، أجل من يهتدي إلى المستنقع الكريه وإلى الوحل الذي تتمرغ الجاهلية فيه. وماذا تقول الجاهلية اليوم للفتاة التي لا تكشف لحمها، وماذا تقول للفتى الذي يستقذر اللحم الرخيص؟ إنها تُسمي ترفعهما هذا ونظافتهما وتطهرهما، رجعية وتخلفا وجمودًا وريفية. وتحاول الجاهلية بكل ما تملكه من وسائل التوجيه والإعلام أن تُغرق ترفعهما ونظافتهما وتطهرهما في الوحل الذي تتمرغ فيه، في المستنقع الكريه ..