الصفحة 130 من 306

وحين تكون الكينونة الإنسانية في الوضع الذي يطابق الحقيقة في كل مجالاتها تكون في أوج قوتها الذاتية وفي أوج تناسقها كذلك مع حقيقة هذا الكون الذي تعيش فيه وتتعامل معه ومع حقيقة كل شيء في هذا الوجود مما تتأثر به وتُؤثر فيه .. وهذا التناسق هو الذي يُتيح لها أن تنشئ أعظم الآثار وأن تؤدي أعظم الأدوار .. وحينما بلغت هذه الحقيقة أوجها في المجموعة المختارة من المسلمين الأوائل صنع الله بها في الأرض أدوارًا عميقة الآثار في كيان الوجود الإنساني وفي كيان التاريخ الإنساني .. وحين تُوجد هذه الحقيقة مرة أخرى وهي لا بد كائنة بإذن الله سيصنع الله بها الكثير مهما يكن في طريقها من العراقيل ذلك أن وجود هذه الحقيقة في ذاته ينشئ قوة لا تقاوم لأنها من صميم قوة هذا الكون وفي اتجاه قوة المبدع لهذا الكون .. إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط في تصحيح التصور الإيماني. وإن كان هذا التصحيح في ذاته غاية ضخمة يقوم عليها بناء الحياة كله، بل إن أهميتها كذلك في حسن تذوق الحياة، وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح كلها عبادة لله، وحين يصبح كل نشاط فيها صَغُر أم كبُر جزءًا من هذه العبادة أو كل العبادة، متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامن فيه وهو إفراد الله سبحانه بالألوهية والإقرار له وحده بالعبودية .. هذا المقام الذي لا يرتفع الإنسان إلى ما هو أعلى منه ولا يبلغ كماله الإنساني إلا في تحقيقه .. وهو المقام الذي بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى مقاماته التي ارتقى إليها .. مقام تلقي الوحي من الله ومقام الأسراء أيضا. (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) .

وننتقل إلى قيمة أخرى من قيم توحيد العبادة بمعنى الدينونة لله وحده وآثارها في الحياة الإنسانية: إن الدينونة لله تُحرر البشر من الدينونة لغيره وتُخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده .. وبذلك تُحقق للإنسان كرامته الحقيقية، هذه الحرية وتلك، اللتان يستحيل ضمانهما في ظل أي نظام آخر غير النظام الإسلامي يدين فيه الناس بعضهم لبعض بالعبودية في صورة من صورها الكثيرة .. سواء عبودية الاعتقاد أو عبودية الشعائر أو عبودية الشرائع .. فكلها عبودية وبعضها مثل بعض تُخضع الرقاب لغير الله باخضاعها للتلقي في أي شأن من شؤون الحياة لغير الله، والناس لا يملكون أن يعيشوا غير مدينين. لا بد للناس من دينونة.

والذين لا يدينون لله وحده يقعون من فورهم في شر ألوان العبودية لغير الله في كل جانب من جوانب الحياة .. إنهم يقعون فرائس لأهوائهم وشهواتهم بلا حدّ ولا ضابط. ومن ثم يفقدون خاصتهم الآدمية ويندرجون في عالم البهيمة: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) ولا يخسر الإنسان شيئا كأن يخسر آدميته ويندرج في عالم البهيمة وهذا هو الذي يقع حتمًا بمجرد التملّص من الدينونة لله وحده والوقوع في الدينونة للهوى والشهوة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت