الصفحة 129 من 306

إن نقطة البدء الآن هي نقطة البدء في أول عهد الناس برسالة الإسلام أن يوجد في بقعة من الأرض ناس يدينون دين الحق فيشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومن ثم يدينون لله وحده بالحاكمية والسلطان والتشريع ويطبقون هذا في واقع الحياة .. ثم يحاولون أن ينطلقوا في الأرض بهذا الإعلان العام لتحرير الإنسان .. هذه نقطة البدء التي يجب أن يقف أمامها الدعاة. أن يوجد في بقعة من الأرض ناس يدينون دين الحق فيعبدون الله .. وحقيقة العبادة لو كانت هي مجرد الشعائر التعبدية ما استحقت كل هذا الموكب من الرسل والرسالات، وما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وما استحقّت كل هذه العذابات والآلام التي تعرّض لها الدعاة والمؤمنون على مدار الزمان. إنما الذي استحقّ كل هذا الثمن الباهظ هو إخراج البشر جملة من الدينونة للعبادة وردّهم إلى الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن، وفي منهج حياتهم كله للدنيا والآخرة سواء.

إن توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد القوامة وتوحيد الحاكمية وتوحيد مصدر الشريعة وتوحيد منهج الحياة وتوحيد الجهة التي يدين لها الناس الدينونة الشاملة .. إن هذا التوحيد هو الذي يستحق أن يرسل من أجله كل هؤلاء الرسل وأن تُبذل في سبيله كل هذه الجهود، وأن تتحمل لتحقيقه كل هذه العذابات والآلام على مدار الزمان .. لا لأن الله سبحانه في حاجة إليه. فالله سبحانه غني عن العالمين. ولكن لأن حياة البشر لا تصلح ولا تستقيم ولا ترتفع ولا تصبح حياة لائقة بالإنسان إلا بهذا التوحيد الذي لا حد لتأثيره في الحياة البشرية في كل جوانبها على السواء.

ننظر ابتداء إلى أثر حقيقة التوحيد في كيان الكائن الإنساني نفسه من ناحية وجوده الذاتي وحاجته الفطرية وتركيبه الإنساني أثرها في تصوره وأثر هذا التصور في كيانه: إن هذا التصور إذ يتناول الأمور على هذا النحو الشامل بكل معاني الشمول يخاطب الكينونة البشرية بكل جوانبها وبكل أشواقها وبكل حاجاتها وبكل اتجاهاتها ويردّها إلى جهة واحدة تتعامل معها جهة تطلب عندها كل شيء وتتوجه إليها بكل شيء .. جهة واحدة ترجوها وتخشاها، وتتقي غضبها وتبتغي رضاها جهة واحدة تملك لها كل شيء لأنها خالقة كل شيء ومالكة لكل شيء ومدبرة كل شيء ... كذلك يرد الكينونة الإنسانية إلى مصدر واحد، تتلقى منه تصوراتها ومفاهيمها وقيمها وموازينها، وشرائعها وقوانينها، وتجد عنده إجابة عن كل سؤال يجيش فيها وهي تواجه الكون والحياة والإنسان بكل ما يثيره كل منها من علامات الاستفهام ... عندئذ تتجمع هذه الكينونة تتجمع شعورًا وسلوكًا وتصورًا واستجابة. في شأن العقيدة والمنهج. وشأن الاستعداد والتلقي. وشأن الحياة والموت وشأن السعي والحركة. وشأن الصحة والرزق، وشأن الدنيا والآخرة، فلا تتفرق مزقًا ولا تتجه إلى شتى السبل والآفاق ولا تسلك شتى الطرق على غير اتفاق ...

والكينونة الإنسانية حين تتجمع على هذا النحو، تصبح في خير حالاتها، لأنها تكون حينئذ في حالة الوحدة التي هي طابع الحقيقة في كل مجالاتها .. فالوحدة هي حقيقة الخالق سبحانه والوحدة هي حقيقة هذا الكون على تنوع المظاهر والأشكال والأحوال، والوحدة هي حقيقة الحياة والأحياء على تنوع الأنواع والأجناس والوحدة هي حقيقة الإنسان على تنوع الأفراد والاستعدادات والوحدة هي غاية الوجود الإنساني وهي العبادة على تنوع مجالات العبادة وهيئاتها. وهكذا حيثما بحث الإنسان عن الحقيقة في هذا الوجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت