وإن الله عز وجل يقرر حقيقة في منهج الدعوة وهي أن أمر القلوب وهداها وضلالها ليس من شأن أحد من خلق الله ولو كان هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنه من أمر الله وحده فهذه القلوب من صنعه ولا يحكمها غيره ولا يصرفها سواه ولا سلطان لأحد عليها إلا الله. وما على الرسول إلا البلاغ. فأما الهدى فهو بيد الله يعطيه من يشاء ممن يعلم سبحانه أنه يستحق الهدى ويسعى إليه، وإخراج هذا الأمر من اختصاص البشر يقرر الحقيقة التي لا بد أن تستقر في حس المسلم ليتوجه في طلب الهدى إلى الله وحده وليتلقى دلائل الهدى من الله وحده، ثم هي تفسح في احتمال صاحب الدعوة لعناد الضالين فلا يضيق صدره بهم وهو يدعوهم ويعطف عليهم ويرتقب إذن الله لقلوبهم في الهدى وتوفيقهم إليه بمعرفته حين يريد (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) فلتفسح لهم صدرك ولتنفض عليهم سماحتك، ولتبذل لهم الخير والعون ما احتاجوا إليه منك وأمرهم إلى الله. إن ما على الداعية إلا التبليغ وليس له رد طبيعتهم التي لا حيلة له فيها وانطماس بصيرتهم (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ) وهكذا يصور الله موتى لا حياة فيهم، صما لا سمع لهم. عميا لا يهتدون طريق، والذين ينفصل حسه عن الوجود فلا يدرك نواميسه وسننه، ميت لا حياة فيه، إنما هي حياة حيوانية بل هو أضل وأقل، فالحيوان مهدي بفطرته التي قلما تخونه والذي لا يستجيب لما يسمع من آيات الله ذات السلطان النافذ في القلوب أصم ولو كانت له أذنان تسمعان ذبذبة الأصوات والذي لا يبصر آيات الله المبثوثة في صفحات الوجود ولو كانت له عينان كالحيوان. أما الذين يسمعون الدعوة فهم أصحاب القلوب الحية والبصائر المفتوحة والإدراك السليم، فهم يسمعون فيسلمون ولا تزيد الدعوة أن تنبه فطرتهم فتستجيب فـ (هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) إن الكلمة الهادية لا يتشرفها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى، والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب التقي الذي يخفق لها ويتحرك بها. والناس قلما ينقصهم العلم بالحق والباطل وبالهدى والضلال.
إن الحق بطبيعته من الوضوح والظهور بحيث لا يحتاج إلى بيان طويل إنما تنقص الناس الرغبة في الحق والقدرة على اختيار طريقه، وإن النصيحة لتثقل على نفوس الأشرار لأنها تقيدهم بما يريدون أن ينطلقوا منه، وتثقل على نفوس المتكبرين الصغار، الذين يحسبون النصيحة نقصا لأقدارهم، إن الصغير هو الذي يبعد يدك عنه التي تمتد لتسانده، ليظهر أنه كبير ..
ليس للداعية إلا التبليغ والبيان. وإن الله هو الذي يتصرف في الأمر كله، فليس على الداعية إلا أن يمضي وفق هذا الأمر، لا يستعجل خطوة ولا يقترح على الله شيئا حتى ولو كان هو النبي الرسول .. إنه ليس الذي ينقص الذين يلجون في الضلال أنه لا توجد أمامهم دلائل وبراهين، إنما الذي ينقصهم آفة في القلب وعطل في الفطرة وانطماس في الضمير.