الصفحة 127 من 306

وإن هذه الآية تقرر مبادئ أساسية في طبيعة الأمة المسلمة وفي طبيعة علاقاتها مع الآخرين. إن الأمة المسلمة هي حزب الله، ومن عداها فهم حزب الشيطان ومن ثم لا يقوم بينها وبين الآخرين ولاء ولا تضامن لأنه لا اشتراك في عقيدة ومن ثم لا اشتراك في هدف أو وسيلة ولا اشتراك في تبعة أو جزاء ولكن ليس معنى هذا أن تتخلى الأمة المسلمة عن تكاليفها في دعوة الناس كلهم إلى الهدى، والهدى هو دينها. وشريعتها نظامها. إن كون الأمة المسلمة مسؤولة عن نفسها أمام الله، لا يضرها من ضل إذا اهتدت، لا يعني أنها غير محاسبة على التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينها، ثم في الأرض جميعا، وأول المعروف: الإسلام لله وتحكيم شريعته وأول المنكر: الجاهلية والاعتداء على سلطان الله وشريعته وحكم الجاهلية هو حكم الطاغوت، والطاغوت هو كل سلطان غير سلطان الله وحكمه، إن هذه الآية لا تسقط عن الفرد ولا عن الأمة التبعة في كفاح الشر ومقاومة الضلال ومحاربة الطغيان، وأطغى الطغيان الاعتداء على ألوهية الله واغتصاب سلطانه، وتعبيد الناس شريعة غير شريعته وهو المنكر الذي لا ينفع الفرد، ولا ينفع الأمة أن تهتدي وهذا المنكر قائم، ولقد روى أصحاب السنن أن أبا بكر رضي الله عنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله أن يعمهم بعقابه) وهكذا صحح الخليفة الأول ما ترامى إلى وَهْم بعض الناس في زمانه من هذه الآية الكريمة، ونحن اليوم أحوج إلى هذا التصحيح لأن القيام بتكاليف التغيير للمنكر قد صارت أشق، فما أيسر ما يلجأ الضعاف إلى تأويل هذه الآية على النحو الذي يعفيهم من تعب الجهاد ومشاقه ويريحهم من عنت الجهاد وويلاته. وكلا والله إن هذا الدين لا يقوم إلا بجهد وجهاد ولا يصلح إلا بعمل وكفاح ولا بد لهذا الدين من أهل يبذلون جهدهم لرد الناس إليه وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ولتقرير ألوهية الله في الأرض ولردّ المغتصبين لسلطان الله عما اغتصبوه من هذا السلطان ولإقامة شريعة الله في حياة الناس وإقامة الناس عليها. لا بد من جهد بالحسنى حين يكون الضالون أفرادًا ضالين يحتاجون إلى الإرشاد والإنارة، وبالقوة حين تكون القوة الباغية في طريق الناس هي التي تصدهم عن الهدى وتعطل دين الله أن يوجد. وتعوق شريعة الله أن تقوم. وبعد ذلك تسقط التبعية عن الذين آمنوا وينال الضالون جزاءهم من الله حين يرجع هؤلاء وهؤلاء إلى الله (إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت