إن عليهم إلا البلاغ أما حساب الناس في الدنيا أو في الآخرة فهذا ليس من شأن العبيد إنما هو من شأن الله. فينبغي تأدبا في حق الله واعترافا بالعبودية له أن يترك له سبحانه يفعل فيه ما يشاء .. وإنه لما يخدع الناس أن يروا الفاجر الطاغي أو المستهتر الفاسد أو الملحد الكافر، ممكنا له في الأرض، غير مأخوذ من الله .. لكن الناس إنما يستعجلون .. إنهم يرون أول الطريق أو وسطه ولا يرون نهاية الطريق. ونهاية الطريق لا ترى إلا بعد أن تجيء .. لا ترى إلا مصارع الغابرين بعد أن يصبحوا أحاديث والقرآن الكريم يوجه إلى هذه المصارع ليتنبّه المخدوعون الذين لا يرون في حياتهم الفردية القصيرة نهاية الطريق فيخدعهم ما يرون في حياتهم القصيرة ويحسبونه نهاية الطريق .. وهذا هو القرآن يقرر في كثير من جوانبه الحقيقة (فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ) ..
وإن صاحب الدعوة لا يجوز أن يعلق قلبه وأمله وعمله بالمعرضين عن الدعوة الذين لا تتفتح قلوبهم لدلائل الهدى وموحيات الإيمان (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) . هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم يحدد الله المجال الذي يتناوله اهتمام الرسول وعمله. كما يحدد هذا المجال لخلفائه وأصحاب الدعوة إلى دينه في كل الأرض، في كل جيل، يجب أن يفرغ قلب صاحب الدعوة ويوجه أمله وعمله للذين سمعوا واستجابوا فهؤلاء في حاجة إلى بناء كيانهم كله على القاعدة التي دخلوا الدين عليها. قاعدة العقيدة .. وفي حاجة لإنشاء تصور لهم كامل عميق عن الوجود والحياة على أساس هذه العقيدة. وفي حاجة إلى بناء أخلاقهم وسلوكهم وبناء مجتمعهم الصغير على هذا الأساس نفسه، وهذا كله يحتاج إلى الجهد ويستحق الجهد، فأما الواقفون على الشق الآخر فجزاؤهم الإهمال والإعراض بعد الدعوة والبلاغ وحين ينمو الحق في ذاته فإن الله يُجري سنته فيقذف بالحق على الباطل فيقذفه فإذا هو زاهق .. إن على الحق أن يوجد. ومتى وُجد في صورته الصادقة فإن شأن الباطل هين وعمره كذلك قريب ..
والمؤمنون وحدة منفصلة عمن سواهم. متضامنون متكافلون فيما بينهم. فعليهم أنفسهم. عليهم أنفسهم ليزكوها ويطهروها .. وعليهم جماعتهم فليلتزموها ويرعوها، ولا عليهم أن يضل غيرهم إذا هم اهتدوا، فهم وحدة منفصلة عمن سواهم وهم أمة متضامنة فيما بينهم بعضهم أولياء بعض (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) ..