الصفحة 125 من 306

إن الداعية. داعية إلى الله (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ) .. لا إلى دنيا ولا إلى مجد. ولا إلى عزة قومية، ولا إلى عصبية جاهلية. ولا إلى مغنم، ولا إلى سلطان أو جاه. ولكن داعيًا إلى الله في طريق واحد يصل إلى الله بإذنه (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) فالدعوة دعوة إلى الله (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) .. دعوة خالصة واضحة لا لبس فيها ولا غموض. دعوة إلى الله لا لقومية ولا لعصبية، ولا لأرض ولا لراية، لا لمصلحة ولا لمغنم، ولا لتمليق هوى، ولا لتحقيق شهوة، ومن شاء أن يتبع هذه الدعوة على تجردها فليتبعها. ومن أراد غيرها معها فليس هذا هو الطريق. وإن الدعوات لا تقوم على من يعتنقونها لأنها غالبة. ومن يعتنقوها ليقودوا بها الاتباع، ومن يعتنقونها ليحققوا بها الأطماع، وليتجروا بها في سوق الدعوات تُشترى منهم وتُباع، إنما تقوم الدعوات بالقلوب التي تتجه إلى الله خالصة له. لا تبغي جاها ولا متاعا ولا انتفاعا. إنما تبغي وجهه وترجو رضاه. ويجب ألا نغفل عن هذه الحقيقة البسيطة التي كثيرا ما ننساها وهي أن الناس هم الناس والدعوة هي الدعوة والمعركة هي المعركة. إنها أولا وقبل كل شيء معركة مع الضعف والنقص والشح والحرص في داخل النفس، ثم هي معركة مع الشر والباطل والضلال والطغيان في واقع الحياة، والمعركة بطرفيها لا بد من خوضها. ولا بد للقائمين على الجماعة المسلمة في الأرض من مواجهتها بطرفيها كما واجهها القرآن أول مرة وواجهها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بد من الأخطاء والعثرات، ولا بد من ظهور الضعف والنقص في مراحل الطريق، ولا بد من المضي أيضًا في علاج الضعف والنقص كل ما أظهرتهما الأحداث والتجارب، ولا بد من توجيه القلوب إلى الله بالأساليب التي اتبعها القرآن في التوجيه.

ويُوجه الله توجيهًا حاسمًا لبيان طبيعة الدعوة وطبيعة الدعاة (وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) .

إن الدعاة إلى الله ليس عليهم إلا أن يُؤدوا تكاليف الدعوة في كل مراحلها، وليس عليهم أن يبلغوا بها إلا ما يشاؤه الله، كما أنه ليس لهم أن يستعجلوا خطوات الحركة ولا أن يشعروا بالفشل والخيبة إذا رأوا قدر الله يبطئ بهم عن الغلب الظاهر والتمكين في الأرض. إنهم دعاة وليسوا إلا دعاة .. بذلك يتعلم الدعاة إلى الله أن يتأدبوا في حق الله، إنه ليس لهم أن يستعجلوا النتائج والمصائر، ليس لهم أن يستعجلوا هداية الناس ولا أن يستعجلوا وعد الله ووعيده للمهتدين والمكذبين. ليس لهم أن يقولوا دعونا كثيرا. فلم يستجب لنا إلا القليل، أو لقد صبرنا طويلًا فلم يأخذ الله الظالمين بظلمهم ونحن أحياء ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت