الصفحة 123 من 306

وتبدأ شهادته للإسلام من أن يكون هو بذاته ثم ببيته وعائلته ثم بأسرته وعشيرته، صورة واقعية من الإسلام الذي يدعو إليه، وتخطو شهادته الخطوة الثانية بقيامه بدعوة الأمة إلى تحقيق الإسلام في حياتها كلها. وتنتهي شهادته بالجهاد لإزالة العوائق. التي تضلل الناس وتفتنهم من أي لون كانت هذه العوائق. فإذا استشهد في هذا فهو إذن شهيد، أدى شهادته لدينه ومضى إلى ربه، وهذا هو وحده هو الشهيد، إن المسلم المؤمن بدين الله مطلوب منه أن يؤدي شهادة لهذا الدين. شهادة تؤيد حق هذا الدين في البقاء. وتؤيد الخير الذي يحمله هذا الدين للبشر. وهو لا يؤدي هذه الشهادة حتى يجعل من نفسه ومن خلقه ومن سلوكه ومن حياته صورة حية لهذا الدين. صورة يراها الناس فيرون فيها مثلا رفيعا، يشهد لهذا الدين بالأحقية في الوجود وبالخيرية والأفضلية على سائر ما في الأرض من أنظمة وتشكيلات، (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) . والمسلم لا يؤدي هذه الشهادة كذلك جتى يجعل من هذا الدين قاعدة حياته ونظام مجتمعه وشريعة نفسه وقومه، فيقوم مجتمعه من حوله تدبر أموره وفق هذا المنهج الإلهي القويم .. وجهاد لقيام هذا المجتمع وتحقق هذا المنهج وإيثاره الموت في سبيله على الحياة في ظل مجتمع آخر لا يحقق منهج الله في حياة الجماعة البشرية. هو شهادة بأن هذا الدين خير من الحياة ذاتها وهي أعز ما يحرص عليه الأحياء، ومن ثم يُدعى شهيدا. إنها وقفة أمام هذه الحقيقة، فمن لم يؤد هذه الشهادة لدينه فكتمها فهو آثم قلبه. فأما إذا ادعى الإسلام ثم سار في نفسه غير سيرة الإسلام أو حاولها في نفسه ولكنه لم يؤدها في المجال العام ولم يُجاهد لإقامة منهج الله في الحياة إيثارًا للعافية وإيثارًا لحياته على حياة الدين فقد قصّر في شهادته وأدى شهادة ضد هذا الدين شهادة تصد الآخرين عنه وهم يرون أهله يشهدون عليه لا له، وويل لمن يصد الناس عن دين الله عن طريق ادعائه. إنه مؤمن بهذا الدين وما هو من المؤمنين ...

إنها الأمانة للشهادة لهذا الدين .. الشهادة في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له، ترجمة حيّة في شعورها وسلوكها حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفوس فيقولوا ما أطيب هذا الإيمان وأحسنه وأزكاه، وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس. يتأثر بها الآخرون، والشهادة له بدعوة الناس إليه وبيان فضله ومزيته بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية، فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك وما يكون قد أدى الدعوة والتبليغ والبيان، ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض منهجا للجماعة المؤمنة ومنهجا للبشرية جميعا، المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة، فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هو كبرى الأمانات بعد الإيمان الذاتي، ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة ومن ثم فالجهاد ماض إلى يوم القيامة على هذا الأساس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت