الصفحة 122 من 306

إن الإيمان حقيقة إيجابية متحركة، ما إن تستقر في الضمير حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها في الخارج، في صورة عمل صالح ودعوة إلى الله، هذا هو الإيمان الإسلامي .. لا يمكن أن يظل خامدًا لا يتحرك، كامنًا لا يتبدّى في صورة حية خارج ذات المؤمن. فإن لم يتحرك هذه الحركة الطبيعية فهو مزيف أو ميت شأنه شأن الزهرة لا تمسك أريجها. فالدعو إلى الله تنبعث من إيمان المؤمن بدينه وشريعته انبعاثًا طبيعيا وإلا فالإيمان غير موجود .. وومن هنا تبدو قيمة الإيمان .. إنه حركة وعمل ودعوة وبناء وتعمير يتجه إلى الله، إنه ليس انكماشًا وسلبية وانزواء في مكنونات الضمير، وليس مجرد النوايا الطيبة التي لا تتمثل في حركة وهذه طبيعة الإسلام التي تجعل منه قوة بناء كبرى في صميم الحياة، والدعوة إلى دين الله هي من بديهيات الإيمان، وهذه لفتة القرآن (قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا، إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ) . هذه هي القولة الرهيبة التي تملأ القلب بجدية هذا الأمر، أمر الرسالة والدعوة، والرسول صلى الله عليه وسلم يُؤمر بإعلان هذه الحقيقة الكبرى، إني لن يُجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملجئأ أو حماية إلا أن أبلغ هذا الأمر وأؤدي .. يا للرهبة .. ويا للروعة .. ويا للجد إن الدعوة ليست تطوعا يتقدم بها صاحب الدعوة إنما هو التكليف الصارم الجازم الذي لا مفرّ من أدائه فالله من ورائه، وإنها ليست اللذة الذاتية في حمل الخير والهدى للناس، إنما هو الأمر العلوي الذي لا يمكن التفلت منه ولا التردد فيه. وهكذا يتبين أمر الدعوة ويتحدد، إنها تكليف وواجب وراءه الهول ووراءه الجد ووراءه الكبير المتعال .. وليعرف الدعاة أن أمامهم واجبا ثقيلا لأنهم أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وهو حجة الله على الناس.

فلا فكاك من التبعة الثقيلة، تبعة إقامة حجة الله على الناس، وتبعة استنقاذ الناس من عذاب الآخرة وشقوة الدنيا، إلا بالتبليغ والأداء على ذات المنهج الذي بلّغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدّى. فالرسالة هي الرسالة، والناس هم الناس، وهناك ضلالات وشبهات وشهوات وهناك قوى عاتية طاغية تقوم دون الناس ودون الدعوة وتفتنهم كذلك عن دينهم بالتضليل وبالقوة. والموقف هو الموقف، والعقبات هي العقبات، والناس هم الناس، ولا بد من بلاغ، ولا بد من أداء، بلاغ بالبيان وبلاغ بالعمل حتى يكون المبلغون ترجمة حيّة واقعية عما يبلغون. وبلاغ بإزالة العقبات التي تعترض طريق الدعوة وتفتن الناس بالباطل وبالقوة. وإلا فلا بلاغ ولا أداء. إنه الأمر المفروض لا حيلة في النفوس عن حمله (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) وإلا فهي التبعة الثقيلة، تبعة ضلال البشرية كلها وشقوتها في هذه الدنيا وعدم قيامة حجة الله عليها في الآخرة، وحمل التبعة في هذا كله وعدم النجاة من النار. فمن ذا الذي يستهين بهذه التبعة؟ وهي تبعة تقصم الظهر وترعد الفرائص وتهز المفاصل. إن الذي يقول إنه مسلم. إما أن يُبلغ ويؤدي هكذا. وإلا فلا نجاة له في الدنيا ولا في الآخرة. إنه حين يقول إنه مسلم ثم لا يبلغ ولا يؤدي كل ألوان البلاغ والأداء هذه إنما يؤدي شهادة ضد الإسلام الذي يدعيه بدلًا من أداء شهادة له تُحقق في قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت