ومنه اعتماد الصديق -رضي الله عنه- على خبر الواحد في توريث الجدة السدس وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول:"الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا"، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته فرجع إليه عمر وعمله بخبر حمل ابن مالك في دية الجنين لما قام -رضي الله عنه- فقال: أذكر الله امرا سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنين شيئا؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين جارتين لي -يعني ضرتين- فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فألقت جنينا ميتا فقضى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغرة فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره"."
كذلك عمله بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس.
خبر الواحد متى تلقته الأمة بالقبول فيجب التصديق به إن كان خبرا، والعمل به إن كان طلبا، وهو يفيد العلم واليقين عند الجمهور متى احتفت به القرائن واعتضدت بكثرة الشواهد عند الجمهور، وقد أجمع أهل الفن -وهم أهل الاختصاص أهل الحديث- أن خبر الواحد إذا تلقي بالقبول واحتفت به القرائن أفاد العلم قال ابن تيمية:"فإن ما تلقاه أهل الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق فهو محصل للعلم مفيد لليقين ولا عبرة بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين"، فإن كان المتكلمون يردون خبر الواحد بمحض عقولهم وبتبريرات سمجة بدعية؛ فإن طائفة أخرى توسعت في تصحيح الضعيف والمنكرات فكان تقييد قبول خبر الآحاد بما احتفت به القرائن وتلقته الأمة بالقبول هو الضابط بين هذين الطرفين المتقابلين قال ابن تيمية:"والناس في هذا الباب طرفان: طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله لا يميز بين الصحيح والضعيف فيشك في صحة أحاديث أو في القطع بها مع كونها معلومة مقطوعا بها عند أهل العلم به، وطرف ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظا في حديث قد رواه ثقة أو رأى حديثا بإسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته، حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة أو يجعله دليلا في مسائل العلم، مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط".