الصفحة 55 من 58

وكما يقول د. محمد حسين:"وربما كان صالح مجدي من أسبق الشعراء في العصر الحديث إلى ترديد كلمات الوطن والوطنية في شعره بعد أستاذه رفاعة الطهطاوي. وله في آخر ديوانه خمس عشرة مزدوجة سماها (الوطنيات) ، امتدح فيها سعيد باشا والي مصر، وعرضت عليه فأمر بتلحينها والتغني بها بمصاحبة الموسيقى العسكرية في المحافل والمواسم. وهو في هذه الوطنيات يشيد بالوطن محاولًا أن يغرس حبه في القلوب، ويتغنى بأمجاد الأجداد، ويفاخر بجيش البلاد، مبرزًا قوته، معتدًا بشدة بأسه. ولكنه يربط ذلك شخصيًا بشخص سعيد، ويجعله سببًا للتعظيم من شأنه وتحبيبه إلى أبناء جنسه، فمن ذلك قوله في الوطنية: فامتداح الصدر غنوا فهو للأوطان حصن وهو للإيمان ركن ولكم في الحتوف أمن في ميادين الوقائع في الوغى أنتم أسود يا بني الأوطان سودوا ولها بالروح جودوا وادخلوا الأحياء وصيدوا يا بني الأوطان هيا خيموا فوق الثريا واهجروا النوم مليا واطعنوا الضد الأبيا واجدعوا أنف الممانع"،"من الواضح أن الصياغة ليست هي التي تلفت النظر في شعر صالح مجدي. فهو قليل الحظ من هذه الناحية، لا يقارن بشاعر كالبارودي. لكن الذي يلفت النظر في شعره هو هذا الوضوح المبكر للفكرة الوطنية، التي تعتز بمصر وجيش مصر، وتمتلئ حماسًا للحرب والقتال في سبيل مجد الوطن ورفعته".

لقد سار على هذا النهج شاعر النيل حافظ إبراهيم المتوفى 1932 إذ يقول في قصيدته التي نشرت في 15/ 12/1921م وهذه القصيدة على لسان مصر تتحدث بنفسها:

وقف الخلق ينظرون جميعًا كيف أبني قواعد المجد وحي

وبناةُ الأهرام في سالف الدهـ ـر كفوني الكلام عند التحدي

أنا تاج العلاء في مفرق الشرق ودرَّاته فرائدُ عقدي

قل لمن أنكروا مفاخر قومي مثل ما أنكروا مآثر وُلْدي

هل وقفتُمْ بقمّة الهرم الأكْ ـبر يومًا فرَيْتُمُ بعضَ جُهْدي

هل رأيتم تلك النقوشَ اللّواتي أعجزتْ طَوْقَ صنعة التحدي

حال لون النهار قديم العهـ ـد وما مسّ لونَها طولُ عهدي

هل فهمتم أسرار ما كان عندي من علوم ٍ مخبوءة ٍ طَيّ بَرْدي

ذاك فن التحنيط قد غلب الدهـ ـر وأبلى البلى وأعجز ندِّي

قد عقدتُ العهودَ من عهد فرعو ن ففي مصر كان أولُ عقد

إنّ مجدي في الأولياتِ عريقٌ من له مثل أُولياتي ومجدي

أنا أمُّ التشريعٍ قد أخذ الرّو مانُ عنّي الأصولَ في كلِّ حدِ

ورصدتُ النجومَ منذ أضاءتْ في سماءِ الدُّجى فأحكمتُ رَصْدي

وشدا (بنتئور) فوق ربوعي قبل عهد اليونان أو عهد (نجدِ)

هكذا يتغنى شاعر فحل مثل حافظ إبراهيم بذلك المعبود الجديد الذي حل محل رابطة الدين والعقيدة!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت