الصفحة 30 من 58

كانت أول خطوة في سبيل إنشاء المحاكم المختلطة عندما فتح الخديو إسماعيل الوزارة الفرنسية في عام 1867 أي في حياة الطهطاوي فقد شهد ثمرة أفكاره وهو على قيد الحياة.

وفي أوائل شهر يولية 1870م تم طبع القوانين المصرية المختلطة فوزعها نوبار باشا على الدول المختلفة، فمرر اللورد (جرانفل) وزير الخارجية الإنجليزي إلى المركيز (دي لافاليت) سفير فرنسا في لندن في 22 يولية 1870 أنه بعد اطلاعه عليها يوافق تمام الموافقة على إنشاء الهيئة القضائية الجديدة المرغوب فيها بمصر، وعلى شكلها المبين في المشروع الفرنساوي""تم تشكيل هذه المحاكم في ذي القعدة 1291هـ (أول يناير 1875م) ، إلا أنها لم تفتح إبوابها إلا في شهر المحرم 1293هـ (فبراير 1876م) "."

أقول: وكانت هذه أول نطفة لاستبدال الشريعة الإسلامية وتنحيتها بشكل رسمي من قبل الخديو وعلى يد الطهطاوي وتلامذته من أمثال محمد قدري باشا أحد أعلام القانون الذي قام بعبء ترجمة القوانين الأوروبية وتقنينها وشرحها بعد الطهطاوي، وساهم في تخريب بنية المسلمين الشرعية، وقد تخرج على يديه زمرة من رواد القانون حتى جاء عبد الرزاق السنهوري باشا الذي استكمل مسيرة التخريب وقدم للحكام خدمات ومسوغات لإضفاء الشرعية على سلطانهم!!

وبناء على ما سبق اخترت عينة من كتابات بعض المفكرين والأدباء الذين أشادوا بالطهطاوي وبآثاره الفكرية لتعضيد ما وصلنا إليه من نتيجة.

يقول الدكتور حسين فوزي النجار:"ولعل أعظم ماقدمه محمد علي لمصر أنه وضع البذرة الأولى لتعليم عصري أخذت تؤتي أكلها في عصر إسماعيل، روى تربتها رفاعة الطهطاوي في كثير من الوصب والجهد ثم جاء علي مبارك فنماها وأوصل جذورها فأينعت وأثمرت، وشهد تباشير الطهطاوي في أخريات أيامه عندما تهيأت العقول لتقبل حركة الإصلاح وأخذت البلاد تسلك سبيلها إلى الثورة السياسية والفكرية والإجتماعية".

وتحت عنوان (أبو الديمقراطية المصرية) ، كتب عنه لويس عوض:"إن كفاح الشعب المصري في سبيل الديمقراطية قديم، وقد كان لمصر برلمان اسمه (البولا) قبل الفتح الروماني وكان مقره مدينة الإسكندرية، فعصف به الرومان. وقد حاول المصريون استخلاصه من أباطرة الرومان ولكنهم عجزوا لأنهم تمسكوا بمبادئ الحرية والمساواة غير أنهم فقدوا القدرة على التنظيم السياسي، أو على الأصح أفقدهم إياها غزاتهم. وبعد ألفي عام أو نحوهما من الحكم الأوتوقراطي، ظهر فيهم رفاعة رافع الطهطاوي لينادي بسيادة الشعب على الملوك وليفتح أعينهم على تجارب الأمم الأخرى في ممارسة الحرية والمساواة من خلال الدساتير والنظم النيابية".

ويقول سمير أبو حمدان عن الطهطاوي:"ومن هنا فإن الفضل يعود للطهطاوي في غرس فكرة الحياة البرلمانية الممثلة بالسلطة التشريعية في تربة البلاد الإسلامية وقد أنبت هذا الغرس الطيب (على حد زعم الكاتب) بعد سنوان من وفاة الطهطاوي، وذلك عندما قامت في مصر أول جمعية تشريعية على أساس انتخابي. والجدير بالذكر هنا أن الطهطاوي مهّد لفكرته هذه بترجمة لبنود الدستور الفرنسي وشرحها بحيث أصبحت في متناول الجميع من ساسة ورجال فكر وأناس عاديين. وكان رفاعة يرمي من وراء التفسيرات والشروح المسهبة لبنود الدستور الفرنسي إلى خلق وعي برلماني في مصر التي لم تكن قد عرفت حتى ذلك الوقت سوى المجالس الإدارية المعينة من قبل العثمانيين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت