الصفحة 23 من 58

ذكر الشيخ رفاعة نص المادة الأولي من الدستور الفرنسي:"سائر الفرنساوية مستوون قدام الشريعة"ويعلق الطهطاوي على نص هذه المادة قائلًا:" (الفرنساوية مستوون) .. معناه سائر من يوجد في بلاد فرانسا من رفيع ووضيع لايختلفون في إجراء الأحكام المذكورة في القانون حتى إن الدعوة الشرعية التي تقام على الملك، وينفذ عليه الحكم كغيره، فانظر إلى هذه المادة الأولى فإن لها سلطانًا عظيمًا على إقامة العدل وإسعاف المظلوم وإرضاء خاطر الفقير بأنه العظيم نظرًا إلى إجراء الأحكام، ولقد كادت هذه القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية، وهي من الأدلة على وصول العدل عندهم إلى درجة عالية، وتقدمهم في الآداب الحاضرة".

هكذا يستمر الطهطاوي في الإطراء بعلمانية فرنسا ويمتدح قوانينهم لدرجة الهيام! فنص المادة الأولى أخذ بلبه وطفق يردد (لافرق بين حاكم ومحكوم .. الكل أمام القانون سواء .. كادت هذه القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية) .. لو كان غير الشيخ رفاعة قالها لقلنا ربما لم يقرأ الرجل عن العدل والمساواة والحرية في شريعة الإسلام!!

فهل يجهل الطهطاوي وهو الشيخ الأزهري مقاصد ومحاسن الشريعة الإسلامية؟! هل يجهل الطهطاوي مبادئ شريعننا الغراء التي سطرت للبشرية صحائف من ضياء حيث العدل والمساواة والحرية ورفع الظلم .. إلخ، تلكم الشريعة التي طبقها الإئمة الإعلام عدة قرون؟! أكاد أجزم أن الطهطاوي يعلم يقينا أن تاريخ الإسلام حافل بمثل هذه المبادئ والشعارات التي عرفها في باريس .. فالطهطاوي ربيب الأزهر يعلم أحكام الشريعة الإسلامية جيدًا ومن ثم نستطيع أن نؤكد أنه لا يشفع للطهطاوي جور حكام زمانه وبعدهم عن شريعة الإسلام أن يستورد للمسلمين قوانين الفرنجة ويتغنى بها لتحل محل شريعة الرحمن!!

وقد وقع الطهطاوي في تناقض عجيب!! ففي الوقت الذي يشيد فيه بنص المادة الأولى من الدستور الفرنسي (سائر الفرنساوية مستوون قدام الشريعة) .. (فلا فرق بين حاكم ومحكوم ولابين رفيع ووضيع) .. نجد هذه المادة التي هي من جوامع الكلم عند الفرنساوية على حد قوله! تصطدم بنص المادة الرابعة والثلاثين في باب كيفية تدبير المملكة الفرنساوية.

وهذا نصها: المادة الرابعة والثلاثون: لايمكن أن يقبض أحد على واحد من أهل ديوان البير إلا بأمر ذلك الديوان، ولايمكن أن يحكم عليه غيرهم في مواد الجنايات"."

أقول: تأمل! هذه المادة تتكلم عن الحصانة البرلمانية لعضو مجلس النواب (شورى/شعب/أمة) بمعنى أن أي عضو يرتكب أية جريمة سواء (جناية/جنحة/مخالفة) فإنه لايستطيع أحد أن يحرك ضده الدعوى العمومية إلا بعد موافقة مجلس الشعب أو الشورى ولايستطيع مأمورة الضبط القضائي أن يقبض عليه بموجب هذه الحصانة!!

فأين المساوة وأين (لافرق بين حاكم ومحكوم) !! وأين (جوامع الكلم) !! هذه المادة التي صدرتها الثورة الفرنسية وهي مادة استغلال النفوذ؛ تعطي امتيازات لطبقة من أبناء المجتمع على حساب الآخرين، فلا يستطيع أحد أن يقاضي عضو مجلس النواب إلا بعد موافقة المجلس وهي عملية معقدة، وقد لايوافق المجلس على سحب الحصانة من العضو!! فأي مساواة هذه التي يبشرنا بها الطهطاوي؟!!

وأين هذه المساواة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

أين هذا من التطبيقات الواقعية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامته حد القذف على حسان بن ثابت رضي الله عنه؛ رجل الإعلام الأول الذي كان ينافح عن دعوة الإسلام؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت