استوقفتني عبارة ذكرها الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابه تخليص الإبريز:"اعلم أنه جاء إلى الفرنساوية خبر وقوع بلاد الجزائر في أيديهم قبل حصول هذه الفتنة بزمن يسير، فبمجرد ما وصل هذا الخبر إلى رئيس الوزراء"بوليناق"أمر بتسييب مدافع الفرح والسرور، وصار يتماشى في المدينة كأنه يظهر العجب بنفسه، حيث إن مراده نفذ وانتصرت الفرنساوية في زمن وزراته على بلاد الجزائر، ومما وقع أن المطران الكبير لما سمع بأخذ الجزائر، ودخل الملك القديم الكنيسة يشكر الله سبحانه وتعالى على ذلك، جاء إليه ذلك المطران ليهنيه على هذه النصرة. فمن جملة كلامه مامعناه: أنه بحمد الله سبحانه وتعالى على كون الملة المسيحية انتصرت نصرة عظيمة على الملة الإسلامية، ولازالت كذلك. انتهى."
مع أن الحرب بين الفرنساوية وأهالي الجزائر إنما هي مجرد أمور سياسية ومشاحنات تجارات ومعاملات ومشاجرات ومجادلات، منشأها التكبر والتعاظم! ومن الأمثال الحكيمة لو كانت المشاجرة شجرًا لم تثمر إلا ضجرا"هكذا بكل بساطة يشخص لنا الشيخ رفاعة الطهطاوي سبب عدوان فرنسا على الجزائر!! فقراءة الأحداث بنفس مادي واضح في ثنايا كلمات الطهطاوي؛ فحرب فرنسا الصليبية للجزائر المسلمة مجرد أمور سياسية ومشاحنات ومعاملات تجارية!! هكذا حللت لنا قرحة الشيخ الطهطاوي أصل الداء؛ فأس المعضلة الفرنسية الجزائرية منشؤها التكبر والتعاظم!! فمن الذي يتكبر على من أيها الشيخ المبجل؟! فرنسا الدولة المعتدية المحاربة لبلد إسلامي أم شعب الجزائر الأعزل؟!"
والعجيب أن الشيخ رفاعة نقل لنا فرح وسرور الفرنسيين لدرجة أن رئيس حكومتهم أمر بإطلاق المدافع علامة الفرح والسرور ... لماذا؟ لأن الملة المسيحية انتصرت على الملة الإسلامية!!
ويزيد الأمر وضوحًا أن الطهطاوي ذكر أن مطران باريس الكبير كان يقيم القداس وشكر الرب لانتصار الملة المسيحية على الملة الإسلامية!! ورغم هذا الوضوح نرى الشيخ يبعد النجعة! ويرجع الأمر إلى غير مراد أهله. وهنا كانت خطورة العلمنة والتفسير المادي للأحداث التاريخية.
ولعل قارئًا يتساءل وما علاقة الحكاية السابقة بالعلمانية؟ أقول إن الهدف من هذه الدراسة هو إماطة اللثام عن فكر شخصية يعتبرها اللادينيون (العلمانيون) رائدة من رواد النهضة العربية والإسلامية الحديثة ويضفي هؤلاء العلمانيون الجدد على هذه الشخصية مسوح القديسين وهالات التنوير والعقلنة وألقاب كثيرة بغية ارهاب الباحث وكأن رواد العلمانية أنبياء جدد!! وحيث إن العلمانية ليست شعارًا أجوف أو سفسطة جدلية محضة بل إنها حقيقة واقعية ضاربة جذورها في كافة المناحي الحياتية في أمتنا العربية والإسلامية رغم حداثتها نسبيًا.
لذلك نسلط الضوء على شخصية الطهطاوي لكونه رائدًا من رواد العلمانية المستوردة من المنظومة الغربية وذلك من خلال مؤلفاته وآرائه التي كانت اللبنات الأولى لدخول العلمانية في أقطارنا العربية والإسلامية.
والعلمانية ذلك السرطان الخبيث نجده يحاصرنا علي كافة المستويات فهناك علمانية حاكمة متسلطة: وهي أظهر أنواع العلمنة ونراها شاخصة في عالمنا العربي والإسلامي سواء تسربلت بنظام يطلق على نفسه أنه جمهوري أو ملكي .. إلخ.