ذكر الطهطاوي في ترجمته للدستور الفرنسي:"المادة الرابعة: ذات كل واحد منهم يستقل بها، ويضمن له حريتها، فلايتعرض له إنسان إلا ببعض حقوق مذكورة في الشريعة، وبالصورة التي يطلبه بها الحاكم"وذكر أيضًا:"المادة الثامنة: لايمنع إنسان في فرنسا أن يظهر رأيه، وأن يكتبه، ويطبعه، بشرط أن لايضر مافي القانون، فإذا ضر أزيل"، ويعلق الطهطاوي علي هاتين المادتين قائلًا:"أما المادة الرابعة: فإنها نافعة لأهل البلاد والغرباء، فلذلك كثر أهل هذه البلاد وعمرت بكثير من الغرباء. أما المادة الثامنة: فإنها تقوي كل إنسان على أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر بباله مما لايضر غيره، فيعلم الإنسان سائر ما في نفس صاحبه".
ثم يتكلم الطهطاوي تحت بند (خلاصة الحقوق الفرنساوية الآن بعد سنة 1830) :"ومن الأشياء التي ترتبت على الحرية عند الفرنساوية أن لكل إنسان يتبع دينه الذي يختاره يكون تحت حماية الدولة. ويعاقب من تعرض لعابد في عبادته، ولايجوز وقف شئ على الكنائس أو إهداء شئ لها إلا بإذن صريح من الدولة، وكل فرنساوي له أن يبدي رأيه في مادة السياسات أو في مادة الأديان، بشرط أن لايخل بالإنتظام المذكور في كتب الأحكام".
وفي كتابه مناهج الألباب ينقل الطهطاوي وصية القس الفرنسي (فنلون) لولي عهد بريطانيا (جرجس جاكس) وكان بروتستاني المذهب:"إذا آل الملك إليك أيها الأمير لاتجبر رعيتك القاثوليقية (الكاثوليكية) على تغيير مذهبهم ولاتبديل عقائدهم الدينية، فإنه لاسلطان يستطيع أن يتسلطن على القلب وينزع منه صفة الحرية".
هكذا يستمر الطهطاوي في تحسين صورة الثورة الفرنسية وشعاراتها وينقل لنا وصية القلس الفرنسي فنلون باعتبره غير متعصب وإظهار صورة ولي عهد بريطانيا على أنه حاكم يتقبل النصيحة، وفي الجملة تحين لدين الغرب الجديد باعتبارهم أهل المعارف والعلوم والتقدم ودعاة الحرية التي يجب على العالم الإسلامي أن يسير على نفس الصراط الغربي!!
رغم أن الواقع يكذب مثل هذه الوصايا فيما يسمى بحرية العقائد؛ ذلك الشعار المزيف لدى الغرب! فالحرب بين أهل الملة المسيحية لم تزل مستعرة بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا أم الحريات! وبين الكاثوليك والأرثوذكس!! أما العداء العقدي المستمر والمستعر ضد الإسلام فلايخفى على أحد!! فكان أولى بالطهطاوي أن يذكر المسلمين بمحنة إخوانهم في الجزائر الذين يكتوون بنير الآلة العسكرية الفرنسية! نعم فرنسا أم الحريات التي اعتبر الطهطاوي حربها مع فرنسا من أجل مشاكل تجارية!! كان الأولى أن يتكلم عن الحرية التي نالها المسلمون في محاكم التفتيش في الأندلس!!
أما قضية الحرية العقدية؛ فالإسلام هو الدين الوحيد الذي رسخ هذا المبدأ الذي يتشدق به العلمانيون أمس واليوم! (لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) .. لولا سماحة الإسلام وعدل ولاته وسلاطينه لما قامت لأوروبا قائمة! لو عامل طارق بن زياد وموسى بن نصير وعبد الرحمن الناصر وابن أبي عامر وابن تاشفين وغيرهم من ملوك الإسلام لو عاملوا نصارى الأندلس والبرتغال بنفس معاملة إليزابيث وفردريك وغيرهم من ملوك ورؤساء أوروبا لما قامت للمسيحية قائمة إلى وقتنا الحاضر!! ولكن قدر الله كان مقدورا!!