لم يستخدم الطهطاوي مصطلح الحقوق المدنية في كتابه تخليص الإبريز أي في بداية حياته وهو في ريعان شبابه، لكنه استخدم المصطلح المذكور بعد أربعين سنة وكان ذلك في كتابه مناهج الألباب الذي ألفه سنة 1870لقد تحدث الطهطاوي عن الحقوق المدنية أو مايسمى بإعلان حقوق الإنسان والمواطنة حيث ذكر ذلك في خاتمة كتابه مناهج الألباب في الفصل الأول تحت عنوان (حقوق الرعية) .
ويعرف الطهطاوي الحقوق المدنية قائلًا:"هي حقوق أهل العمران بعضهم على بعض لحفظ أملاكهم ومالهم وما عليهم، محافظة ومدافعة، ويتفرع من حقوق المملكة العمومية أي الساسة والإدارة الملكية، ومن الحقوق المدنية الشخصية فرع آخر من الحقوق مايسمى بحقوق الدوائر البلدية، يعني حقوق النواحي والمشيخة البلدية، فهذه الحقوق تتعلق بالامتيازات الخصوصية لكل ناحية"أقول: نلاحظ أن الطهطاوي لم يأت بجديد فهذه الحقوق مدونة في كتب الفقه الإسلامي تحت مقاصد الشريعة الإسلامية نجدها في أبواب المعاملات والأنكحة، والفرائض، والوصايا، والحدود، والجنايات، والأقضية، والبينات والدعاوى .. إلخ. فالطهطاوي يتكلم عن القانون الإداري والقانون الدستوري بالمفهوم الغربي الحديث لذلك بسط الكلام عن الدوائر البلدية وطريقة انتخاب أعضاء المجالس التشريعية والبلدية ..
فالطهطاوي ينقل الأنموذج ويرسم السياسة من خلال ترجمته ومؤلفاته. لذلك لاغرو أن يشيد العلمانيون الجدد بعبقرية الطهطاوي ومنهجيته؛ حيث امتدحه لفيف من الكتاب والأدباء؛ فهذا سمير أبوحمدان يقول عن الطهطاوي بعد تعليقه على قضية الحقوق المدنية:"لعله من نافل القول بأن رفاعة الطهطاوي يأتي في طليعة من تصدى، في مصر لمسألة الحريات والحقوق المدنية."
وتأسيسًا على ذلك نستطيع أن نعتبره عن حق أب الديمقراطية المصرية. ولعل رفاعة في تركيزه على هذه النقطة أي الحريات والحقوق المدنية.
كان ينطلق من فهم عميق لبنية الدولة الحديثة.
فلن تكون الدولة الحديثة في متناول اليد، وفي متناول المصريين تحديدًا، مالم يطالبوا بدستور يحفظ حقوقهم المدنية وحرياتهم. فلاحداثة بغير حريات، ولادولة على نمط ما هو سائد في أوربا بغير حقوق مدنية تحفظ كرامة الإنسان وتنظر إليه كقيمة قائمة بذاتها"تأمل! هذه الأوصاف التي يرددونها (لاحداثة بغير حريات) (ولا دولة على نمط ماهو سائد في أوروبا بغير حقوق مدنية تحفظ كرامة الإنسان) أي بمفهوم المخالفة: لا حداثة طالما الإسلام يحكم!! لا دولة على النمط الأوروبي طالمًا الإسلام يحكم!! لا كرامة للإنسان في ظل حكم إسلامي!! هذا ما يريده الطهطاوي ومريدوه وتلاميذه .. إسلام الموالد والدراويش!! إسلام كنسي لاغير!! نتكلم الآن عن قضيتين متعلقتين بموضوع الحقوق المدنية ذكرهما الطهطاوي بصدد شرحه للدستور الفرنسي ..."