الصفحة 21 من 58

ولنترك الطهطاوي يوضح لنا وظيفة هذه الديوانين:"وظيفة أهل ديوان البير: تجديد قانون مفقود أو إبقاء قانون موجود على حاله ويسمى عند الفرنساوية شريعة، فلذلك يقولون: شريعة الملك الفلاني. ومن وظيفة ديوان البير أن يعضد حقوق تاج المملكة ويحامي عنه ويمانع سائر من يتعرض له، وانعقاد هذا الديوان يكون مدة معلومة من السنة في زمن اجتماع ديوان رسل العمالات بإذن ملك الفرنسيس، وعدد أهل ذلك الديوان غير منحصر في مخصوصة، ولايقبل دخول الإنسان فيه إلا وهو ابن خمسة وعشرين سنة، ولايشرك في الشورى إلا وهو ابن ثلاثين سنة، مالم يكن من بيت المملكة، وإلا فبمجرد ولادته يحسب من أهل هذا الديوان، ويشرك في المشورة حين يبلغ عمره خمسة وعشرين سنة، وكانت وظيفة البيرية متوارثة للذكور، فيقدم أكبر الأولاد، ثم بعد موته يقدم من يليه، وهكذا".

ويشرح لنا الطهطاوي وظيفة ديوان رسل العمالات قائلًا:"ووظيفة ديوان رسل العمالات غير متوارثة، ووظيفتهم امتحان القوانين والسياسات والأوامر والتدبير، والبحث عن إيراد الدولة ومدخولها ومصرفها، والمنازعة في ذلك، والممانعة عن الرعية في المكوس والفرد وغيرها إبعادًا للظلم والجور، وهذا الديوان مؤلف من عدة رجال ينصبهم أهالي العمالات، وعددهم أربعمائة وثمانية وعشرون رسولًا، ولا يقبلون إلا بعد بلوغ كل واحد منهم أربعين سنة، ولابد أن يكون لكل واحد منهم عقارات تبلغ فردتها ألف فرنك كل سنة"، تأمل! هذا الوصف المسهب لهذه المادة!

فالطهطاوي يتحدث عن ديوان البير وهو بمثابة مجلس شورى للسلطة الحاكمة، ويشبه هذا الديوان مجلس اللوردات في انجلترا. ثم يتحدث عن ديوان رسل العمالات وهو ما يسمى بمجلس التشريع وهو يشبه مجلس العموم البريطاني، ومايسمى بمجالس الشعب أو الأمة في بلادنا هذه الأيام .. ونلاحظ أن الطهطاوي تكلم عن وظيفة الديوان وشروط وكيفية عضوية هذه المجالس بالتفصيل!! وكأنه يقول لمجتمعاتنا الإسلامية هذه صورة مثلى لحكم العلمانية الغربية فحري بكم أن تطبقوها في مجتمعاتكم!! وفعلًا نزلت كتابات الطهطاوي على أرض الواقع وصرنا ندور في فلك المنظومة التي كان ينشدها الشيخ رفاعة الأزهري النشأة، الصوفي النزعة، الأشعري العقيدة!! ولن نطيل في التعليق على مواد الدستور الفرنسي ولكن سنتعرض لبعض القضايا المنبثقة من قضية ترجمة الدستور الفرنسي التي أثارها الطهطاوي في كتبه وتغنى بها العلمانيون الجدد وهي كثيرة منها: الحقوق المدنية ومايتعلق بها مثل (المساواة ـ الحرية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت