أولًا: الدستور الفرنسي والكلام عن الحياة البرلمانية
بداية لم يكن الطهطاوي مترجمًا بالمعنى الحرفي لهذه المهنة، بل إن الطهطاوي قد تجاوز ذلك كثيرًا ..
فالشيخ رفاعة يقوم بالترجمة والشرح والتعليق وابداء وجهة نظره في كثير من القضايا وهذا ما سنوضحه على النحو التالي:
يقول الطهطاوي في تقدمته لترجمة الدستور الفرنسي:"والقانون الذي يمشي عليه الفرنساوية الآن ويتخذونه أساسًا لسياستهم، هو القانون الذي ألفه لهم ملكهم المسمى لويز الثامن عشر ولايزال متبعًا عندهم ومرضيًا لهم وفيه أمور لاينكره ذووا العقول أنها من باب العدل. والكتاب المذكور الذي فيه هذا القانون يسمى الشرطة. ومعناها في اللغة اللاطينية ورقة، ثم تسومح فيها فأطلقت على السجل المكتوب فيه الأحكام المقيدة، فنذكره لك، وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم، فلاتسمع فيهم من يشكو ظلمًا أبدًا، والعدل أساس العمران."
أقول: نلاحظ أن الطهطاوي يمدح دين العلمانية؛ فقانونهم البشري هو الذي أراح بالهم وعقولهم وكثرت معارفهم وتراكم غناهم وارتاحت قلوبهم .. إلخ.
وكأن الرجل يتكلم عن الدولة العمرية أو الخلافة الراشدة! ولا نقول على الرجل؛ فالطهطاوي يعلم أنه يتكلم عن قوانين وضعية من أدمغة بشرية كما يقول"وإن كان غالب مافيه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم"ورغم هذا الوضوح انبرى الأستاذ فتحي رضوان مدافعًا عن عبارة الطهطاوي المذكورة:"ولم يكن قصد الطهطاوي بهذه العبارة الإشارة إلى علمانية الحكم الفرنسي، أي فصل الدين عن الدولة".
وتصداقًا لوجهة نظرنا نجد أن معظم من كتب عن الطهطاوي يثبت مدح الطهطاوي العلمانية الغربية؛ فالدكتور محمد عمارة محقق الأعمال الكاملة لمؤلفات الطهطاوي يذكر:"فالطهطاوي يمتدح علمانية الفرنسيين وتسامحهم الديني الناتج عن هذه العلمانية".
ولمزيد من تلبس الطهطاوي بالفكرة العلمانية وخاصة في التشريع، يقول الطهطاوي في كتابه مناهج الألباب"ثم إن الحالة الراهنة اقتضت أن تكون الأقضية والأحكام على وفق معاملات العصر، بما حدث فيها من المتفرعات الكثيرة المتنوعة بتنوع الأخذ والإعطاء من الأنام"، ولنا وقفة مع هذه الفقرات في الفصل الثالث - إن شاء الله - وفي هذا القدر كفاية.
عود إلى الدستور الفرنسي حيث يترجم الطهطاوي مواد الدستور بالتفصي المتعمد، ثم يشرع في التعليق على بعض بنوده، وقد أفسح لها المجال في فصل كامل في كتابه تخليص الإبريز.
نختار بعض الفقرات والبنود التي ترجمها وعلق عليها الشيخ رفاعة: ذكر الطهطاوي في ترجمة ديباجة الدستور الفرنسي"وفي هذا القانون عدة مقاصد؛"
المقصد الأول: (الحق العام للفرنساوية) .
الثاني: (كيفية تدبير المملكة) .
الثالث: (في منصب ديوان البير) .
الرابع: (في ديوان رسل العمالات الذين هم أمناء الرعايا ونوابهم) .
الخامس: (في منصب الوزراء) .
السادس: (في طبقات القضاة وحكمهم) .
السابع: (في حقوق الرعية) "."
ثم شرع الطهطاوي في ذكر مواد الدستور الفرنسي نختار منها:"المادة الخامسة عشر: (تدبير أمور المعاملات بفعل الملك وديوان البير ورسل العمالات) ".