ماذا تعني هذه المفاهيم لدى الشيخ رفاعة وما أثر ذلك واقعيًا؟ أو بمعنى آخر هل كان للمنظومة الغربية أثر في تشكيل عقلية الطهطاوي ونظرته إلى هذه المفردات (الحضارة/البداوة/التخلف) بمنظور مادي وتبنيه التعريف الغربي لهذه المفردات؟
هذا ما سنجيب عنه في هذا الفصل.
يقول الطهطاوي في الباب الثامن من كتابه (تخليص الإبريز) :"وقد كانت الناس في أول الزمن تعبد الشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك، ثم بالهام الله تعالى، وبإرساله الرسل، يعبدون إلهًا واحدًا، فكما الزمن في الصعود رأيت في الصنائع البشرية والعلوم المدنية، وكلما نزلت ونظرت إلى الزمن في الهبوط رأيت في الغالب ترقيهم وتقدمهم في ذلك، وبهذا الترقي وقياس درجاته، وحساب البعد عن عن الحالة الأصلية والقرب منها، انقسم سائر الخلق إلى عدة مراتب:"
المرتبة الأولى: مرتبة الهمل المتوحشين.
المرتبة الثانية: مرتبة البرابرة الخشنين.
المرتبة الثالثة: مرتبة أهل الأدب والظرافة والتحضر والتمدن والتمصر المتطرقين"."
ثم يذكر الطهطاوي أمثلة لكل مرتبة نختار أمثلة المرتبتين الثانية والثالثة:"ومثال المرتبة الثانية؛ عرب البادية، فإن عندهم نوعًا من الإجتماع الإنساني والإستئناس والإئتلاف، لمعرفتهم الحلال من الحرام، والقراءة والكتابة، وغيرها من أمور الدين، ونحو ذلك، غير أنهم أيضًا لم تكتمل عندهم درجة الترقي في أمور المعاش والعمران والصنائع البشرية والعلوم العقلية والنقلية، وإن عرفوا البناء والفلاحة وتربية البهائم ونحو ذلك."
ومثال المرتبة الثالثة: بلاد مصر والشام واليمن والروم والعجم والإفرنج والمغرب وسنار وبلاد أمريكة، على أكثرها، وكثير من جزائر البحر المحيط، فإن جميع هؤلاء الأمم أرباب عمران وسياسات، وعلوم، وشرائع وتجارات، ولهم معارف كاملة في آلات الصنائع والحيل على حمل الأشياء الثقيلة بأخف الطرق، ولهم علم بالسفر في البحور، إلى غير ذلك"نلاحظ تأثر الطهطاوي بالمنظومة الغربية فألفاظ (الحضارة/البداوة/التخلف) مصطلحات إغريقية المولد، قد أفرزتها المنظومة الغربية التي تنظر إلى المجتمعات الإنسانية نظرة مادية لاتعترف بالقيم والأخلاق كمعيار للرقي!"
وهناك بعض الباحثين الأوروبيين لايعترفون بذلك بل يصرون على أن حضارتهم لها صلة بالقيم وبالدين المسيحي وبتعاليم الإنجيل ويرد على هذا الوهم الأستاذ محمد قطب:"وأحيانًا تغالط أوربا نفسها وتزعم أن حضارتها ذات صلة بالدين! فتتمحك بالمسيح، وتسمي حضارتها (الحضارة المسيحية) وليس هناك ما هو أكذب من هذا على الواقع! فالمسيح قد دعا للترفع عن متاع الأرض من أجل خلاص الروح، وقال: (من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، ومن أراد أن يأخذ ثوبك فأعطه الرداء أيضًا) . وما أبعد الواقع الأوربي عن دعوة المسيح عليه السلام."
فهي لاتدير خدها الأيسر لمن ضربها على خدها الأيمن، بل هي تضرب، وتنهب، وتسلب، وتغتصب برغبة عدوانية خالصة دون أن يمسها أحد! إنها ليست وريثة دعوة المسيح، إنما هي وريثة الجاهلية الرومانية التي تسعى إلى القوة لتذل الآخرين وتقهرهم، وتستعبدهم لمصالحها الخاصة، والتي تسعى إلى تزيين الحياة الدنيا بكل زينة من أجل أن تغرق في المتاع! والذين يقولون عن الحضارة الغربية المعاصرة إنها إغريقية رومانية هم أصدق بكثير، وأوضح بكثير من الذين يزعمون لها أي صلة بالمسيح عليه السلام.
وكونها إغريقية رومانية في أساسها، هو الذي رشحها أن تتقبل التفسير الحيواني للإنسان الذي ابتدعه دارون، وأن تتبنى للإنسان فكرة صراع البقاء التي فسربها دارون حياة الحيوان وسلوكه.