فهل أفلس التاريخ الإسلامي ليأتي الطهطاوي بوصية القس (فنلون) كعنوان لحرية العقائد وعدم التعصب! ويترك آيات الله ووصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مرض الموت وهو يوصي بأهل الذمة خيرًا! وهذه شهادة رجل من أهل أوروبا تصداقًا لما نرى؛ إذ يقول (ستنلي لينبول) منددا بوحشية بني جلدته ومشمئزًا من سوء أخلاقهم وقسوتهم مع مسلمي الأندلس:"وكانت أخلاقهم على اتساق مع رعيتهم، وماكان يتوقع من هؤلاء الجفاة المتوحشين إلا التعصب والقسوة، فإنهم لم يؤمنوا مستجيرًا، ولم يتركوا فارًا، ولم يبقوا على جريح، وهذا يذكرنا والحزن ملء صدورنا، بما كان للعرب من بطولة ورفق وسماحة خلق، فكثيرًا ما عفوا عن أعدائهم نبلاء متكرمين، بينما نرى اليوم أن رجال ليون وقشتالة العتاة، يذبحون جميع الحاميات، ويستأصلون مدنًا مليئة بالقطان، حتى إذا نجا من سيفهم لم ينج من استعبادهم".
وهل انتهى عداء الغرب للإسلام وأهله؟! لم ينته بعد وما محنة المسلمين في قلب أوروبا عنا ببعيد؛ البونسة والهرسك وكوسوفو، وتزايد العداء ضد الأقليات المسلمة التي تعيش في دول الحريات والتحضر والمدنية وحرية العقائد كفرنسا أول دولة غربية تتخذ العلمانية دينًا قامت قيامتهم يوم أن وضعت طالبة مسلمة على رأسها خمارًا!! وبريطانيا وألمانيا وغيرهم من دول الغرب بالإضافة إلى الدولة الأولى في العالم أمريكا التي جعلت الإسلام عدوها الأول وهي التي تتبنى سياسة التخويف من الإسلام وضربه وحصاره وتجويع شعوب المسلمين!!
تكلم الطهطاوي عن سلطات الدولة الحديثة في كتابه (مناهج الألباب) :"فالقوة الحاكمة العمومية وما يتفرع عليها تسمى أيضًا بالحكومة وبالملكية، هي أمر مركزي تنبعث منه ثلاثة أشعة قوية تسمى أركان الحكومة وقواها؛"
فالقوة الأولى: قوة تقنين القوانين، تنظيمها وترجيح ما يجري عليه العمل من أحكام الشريعة أو السياسة الشرعية.
الثانية: قوة القضاء وفصل الحكم.
الثالثة: قوة التنفيذ للأحكام بعد حكم القضاة بها"."
هكذا نرى أول غيث للعلمانية (سلطة تشريعية/قضائية/تنفيذية) ثم ينهمر علينا الطهطاوي بسيل من ترجمات للقوانين والمؤلفات الفرنسية لإصباغ حياتنا بسربال من العلمنة الغربية المستوردة.