الصفحة 54 من 58

لقد كان من لوازم مفهوم الوطنية أن نبش الطهطاوي في تاريخ ما قبل الإسلام وإحياءه نعرات الجاهلية كالفرعونية، واعتبارها امتدادًا طبيعيًا لتاريخ المصريين مع الحض على تعظيمها، مما أدى فيما بعد إلى إحياء طقوس حرمها الإسلام وأبطلتها الشريعة الإسلامية الغراء كالإحتفال بيوم وفاء النيل وتقديس الحجارة والمقابر الفرعونية.

وكان من ثمرة ذلك الفكر من الناحية التطبيقية انشاء مدرسة اللسان المصري القديم (اللغة الهيروغليفية) وكان ذلك عام 1879م وكان مديرها الألماني (بروكش باشا) ومنها تخرج أحمد كمال باشا المولود 1851 والمتوفي 1923م وهو أول مصري حمل لواء علم الآثار الفرعونية القديمة وأول مصري يتقن هذا الفن الحديث فهو العربي المصري الأول الذي تلقى هذا العلم من أثري الغرب وعربه وأقام له فلسفة واضحة. وله موسوعات وأبحاث في قواعد اللغة الهيروغليفية وقاموس بمفرداتها. وقد استطاع هذا الرجل أن يحمل الحكومة المصرية على تعليم اللسان المصري لبعض الطلبة المصريين وقد تخرج على يديه مجموعة من أزكي تلاميذ مدرسة المعلمين: مثل سليم حسن عالم الآثار المشهور المتوفى سنة 1961م وسليم حسن هو مكتشف أول مقبرة في الدولة الفرعونية القديمة وهي مقبرة (رع ور) الكاهن الأكبر للوجهين البحري والقبلي. وهو مكتشف الهرم الرابع للجيزة وصاحبته هي الملكة (خنت كاوس) أول مصرية تحمل لقب الملوكية كما يقولون!!

ومحمود حمزة ورمسيس شافعي وغيرهم من علماء الآثار المصريين. ومع ظهور كشوف مقبرة الملك (توت عنخ آمون) عام 1922م تفرعنت الصحف المصرية وظهرت الدعوة إلى احياء طابع الفرعونية في المجتمع المصري.

وقد كان الإهتمام بهذه الحفريات والكشوفات بغية خلق تيار التشرذم والتجزئة في المنطقة، والقضاء على وحدة الأمة حيث سيهتم كل قطر بنفسه ويتقوقع داخل حضارته القديمة فيمجد المصريون الفرعونية، واللبنانيون الفينيقية، والعراقيون الآشورية وهكذا تحل ولاءات الجاهلية محل رابطة العقيدة والدين.

هكذا"نشأت فكرة الوطنية وقتذاك، فكرة تحاول أن تجمع الناس حول المطالبة بحقوقهم، ودعوة إلى الحرية وإلى هدم صرح الظلم والإستعباد. ثم تطورت الفكرة على أيدي أصحاب الثقافة الأوروبية، وبدأت تهاجم الرابطة الدينية وتعتبرها مصدر شر وتفرقة بين أبناء الجنس الواحد. فدعا هذا لفهم الجديد للوطنية إلى أن يهاجمها المتمسكون بالرابطة الدينية، ويعتبرونها خطرًا يهدد وحدة الأقطار الإسلامية ويفرق كلمتها ويهدم تعاطفها ويضعف تكتلها، بما يعرضها للسقوط تحت أقدام الدول الأوروبية الطامعة، واحدة تلو أخرى".

مما لاشك فيه أن هذه الأفكار (اتخاذ الوطن معبودًا من دون الله) وإحلاله في الشعر والأناشيد محل الدين، وقد ظهر ذلك جليًا في قصائد زوج ابنته - صالح مجدي بك - الذي سار على منهج أستاذه الطهطاوي وحامل أفكاره والمدافع عنه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت