وكان من ثمرات الفكر الطهطاوي أن التمثيل والغناء في عهد الخديو إسماعيل صار مرعيًا من جانب الدولة:"ولما كان إسماعيل باشا نفسه .. ميالًا بطبيعته للفنون الجميلة وفي طليعتها الموسيقى والغناء لم يكن غريبًا أن يشتهر عصره بالمرح والحبور وأن ينمو الفن في عهده. ولما كانت النهضة التمثيلية في النصف الثاني من القرن الغابر ماتزال في بدايتها فقد راح إسماعيل يساعد الجانب الأوربي منه آملًا في أن يؤدي ذلك إلى نهضة التمثيل في مصر. وفي الحق إنه لم يستكثر أية مساعدة على المسرح المصري ولذا أنشأ في القاهرة مسرح الكوميدي بالأزبكية وقد شرع في بنائه في نوفمبر سنة 1866 واحتفل بافتتاحه في 3 يناير 1868 ثم دار الأوبرا في سنة 1869 لمناسبة حفلات افتتاح قناة السويس. وتم بناء الأوبرا في خمسة أشهر ومثلت فيها في مساء 29 نوفمبر سنة 1866 أول أوبرا واسمها (يجوليتو) شهدتها الأمبراطورة أوجيني عقيلة نابليون الثالث وأعجبت بها. ولم يفت إسماعيل أن يعهد للموسيقى الإيطالي (فردي) بأن يضع أوبرا مصرية وضع العلامة ماربيت باشا موضوعها وهي روايى (عايدة) وقد مثلت فعلًا في القاهرة لأول مرة في 24 ديسمبر سنة 1871م ومنذ ذلك الحين أخذت الحكومة تجلب الفرق الفرق الأجنبية وتغدق عليها المال. أما في الإسكندرية فقد أنشأ الخديو مسرح (زيزينا) ومسرحًا آخر اسمه (الفييري) !!".
وكان الخديو إسماعيل يقرب المغنين وأهل الطرب فكان عبده الحامولي المتوفى سنة 1901م من ندماء الخديو ومن المقربين إليه وكان الخديو يصحب هذا المغني معه في رحلاته واستصحبه معه إلى الآستانة .. وظهرت في عصر الخديو أيضًا راقصات وعوالم ومغنيات مثل (ألماس) التي يناديها العامة بألماظ كانت زوجًا لعبده الحامولي!! وهناك مغن يهودي من أهالي الإسكندرية اسمه (جاك رومانو) كان صديقًا لعبده الحامولي مدحه حافظ إبراهيم وأشاد ببراعته في الغناء في قصيدته التي نشرها في 15 نوفمبر 1908م.
وانظر إلى قول حافظ واسرافه في المدح المخالف للشرع:
ارحمونا بني اليهود كفاكم ما جمعتم بحذقكم من نقودِ
واصفحوا عن عقولنا ودعوا الخلـ ــقَ بسرِّ التوراة والتلمودِ
لاتزيدوا على الصكوك فخاخًا من غناءٍ ما بين دفٍ وعودِ
ويحكم إنّ (جاك) أسرفَ حتى زادَ في قومه على داودِ
أسكتوه لا أسكتَ الله ذلك الـ ــصوتَ صوتَ المتيّم الغريّدِ
أوْ دعوه فداؤه إن تغنّى كلُّ نفسٍ وكلُّ ما في الوجودِ
وقال في هذا الجاك أيضًا:
يا (جاكُ) إنك في زمانك واحدٌ ولكلِّ عصرٍ واحدٌ لا يُلْحَقُ
إن الأولى عاصروك وفاتهم أنْ يسمعوك كأنّهم لم يخلقوا
قد جاء (موسى) بالعصا وأتيتنا بالعود يشدو في يديك وينطقُ
فإذا ارتجلت لنا الغناء فكلنا مُهجٌ تسيلُ وأنفسٌ تتحرقُ
أقول: هكذا يستمر حافظ إبراهيم بك شاعر النيل في مبالغاته وذكره لأنبياء الله لدرجة أن هذا الجاك اليهودي من حلاوة صوته زاد على حسن صوت نبي الله داود عليه السلام!! ليس هذا فحسب بل فكما جاء نبي الله موسى عليه السلام بمعجزة العصا جاء هذا (الجاك) بآلة العود ليطرب أهل هذا الزمان!! فبئس التشبيه وبئست المقارنة!! فمقام أنبياء الله أسمى وأرفع من أن تدنس أسماؤهم في مثل هذه الأبيات وصدق الله تعالى إذ يقول (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون) .. وظهر في عصر إسماعيل أيضًا رجل يعتبرونه سلطان العازفين على آلة القانون!! اسمه (محمد العقاد القانونجي) ..