الصفحة 45 من 58

وهكذا صار سفلة القوم علية الناس وانقلت المواززيين واختلت المعادلات وأصبح للراقصين والمغنين والعوالم حماية من جانب الجولة وقويت شوكتهم على مرور الزمان وصارت لهم دولة تسمى دولة الفناننيين يقربهم الحكام المتسلطون ليخدروا الأمة بأغانيهم وممسرحياتهم وأفلامهم ومن ثم يتغافل الناس عن هزائم الحاكم وجبروته وظلمه للبلاد والعباد!!

أقول: لقد منح الطهطاوي ثقته الكاملة في قدرة العقل على التحسين والتقبيح مثلما رأت المعتزلة قديمًا غير أنه يفوق المعتزلة الأوائل بأطروحاته الغريبة حيث لم يتطرق المعتزلة لتنحية الشريعة الإسلامية ولم يدر في أدمغتهم ذلك، رغم أنهم فتحوا باب هذه الفتنة للمعتزلة الجدد واللادينين أيضًا.

أما الطهطاوي تجاوز الثوابت المقدسة!! لكن الملاحظ أن الطهطاوي سحب ثقته المطلقة في قدرة العقل على التحسين والتقبيح بمعنى أنه رجع إلى أشعريته الأزهرية؟! لأن الأزهر ومعظم العالم الإسلامي في تلك الفترة كان على مذهب الأشاعرة! لكن بماذا نفسر هذا التناقض لدى الطهطاوي؟

قد يقول قائل: الرجل غير رأيه فلماذا تحاكموه؟!!

أقول: إن الطهطاوي لم يتراجع كما يفهم من آرائه المتناقضة، فلو أنه قال رأيه في كتابه الأول تخليص الإبريز ثم تراجع في آخر مؤلفاته مناهج الألباب؛ لقلنا إن الرجل غير رأيه في آخر حياته. لكن الأمر الذي لامراء فيه أن الطهطاوي لم يتراجع ولم يغير رأيه؛ فحالة الإضطراب التي انتابت الرجل هي التي أوقعته في مثل هذه التناقضات. فالرجل متناقض في المؤلف الواحد ففي صدر الكتاب تراه يبدي رأيًا ثم في نفس الكتاب يتناقض مع رأيه السابق!! فالطهطاوي كان يمثل مرحلة انتقالية (مرحلة الإنسلاخ من الإسلام) والتسربل بدين جديد اسمه (العلمانية) !!

وقد فسر الدكتور عمارة محقق الأعمال الكامل هذه الإزدواجية وهذا الإضطراب قائلًا:"إنه لم يدخل معركة فكرية ضد النمط اللاعقلاني الذي كان سائدًا في الدولة العثمانية ـ عصر المماليك والأتراك العثمانية ـ وأيضًا كون الرجل في هذا الحقل يمثل مرحلة الإنتقال، وهي أمور وعوامل أثقلت من خطاه على هذا الدرب، ولم تثقل من خطا الذين جاءوا من بعده، فكانوا امتدادًا متطورًا لكثير من الأفكار التي قدمها هذا الرائد العملاق للإنسان العربي في مطلع عهد هذا الإنسان بحركة البعث والنهضة والإحياء".

أقول: هكذا برر أحد المولعين بالفكر الإعتزالي اضطراب وتناقض الطهطاوي في قدرة العقل على التحسين والتقبيح؟! وما هي الآثار المترتبة على هذا التراجع؟!

أو بمعنى آخر: هل تراجع الطهطاوي عن تحسيناته العقلية للأنموذج الغربي المستورد ومدحه للمجالس التشريعية التي تشرع بغير ما أنزل الله وتحسينه لسن قوانين على غرار المنظومة الغربية؟!! هل تراجع الطهطاوي عن تحسينه للرقص والغناء والتمثبل والموسيقى؟! هل تراجع عن تسحينه لتقييد تعدد الزوجات؟ هل تراجع عن تحسينه لخروج المرأة ومزاحمتها للرجال في ميادين الحياة التي أدت إلى ضياع المرأة وضياع مجتمعاتنا؟!! هل تراجع الطهطاوي عن عدائه للخلافة العثمانية ومدحه لحاكم مصر محمد علي باشا وهو يحارب أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؟! هل تراجع الطهطاوي عن تحسينه لتاريخ الفراعنة وإثارته للنعرة المصرية الفرعونية؟!!

زبدة القول:

لم يتراجع الشيخ رفاعة ولم يتب عن اطروحاته في كتبه المذكورة، ومن ثم كانت أفكاره هي اللبنات الأولى للعلمانية العربية الحديثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت