الصفحة 38 من 58

ولعل الطهطاوي أراد أن يرد على المؤرخ العلامة عبد الرحمن الجبرتي الذي عاصر الحملة الفرنسية منذ احتلالها مصر إلى وقت خروجها منها حيث صور لنا الحياة الإجتماعية والتحلل الخلقي الذي ظهر في شوارع المحروسة على أيدي الفرنسيس (أهل العلوم والآداب والخلق القويم!!) .

ونحن بدورنا سننقل قول الجبرتي بنفس اللهجة المصرية التي كتب بها مؤلفه الماتع (عجائب الآثار) حيث يقول:"ومنها تبرج النساء وخروج غالبهن عن الحشمة والحياء وهو أنه لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميري والمزركشات المصبوغة ويركبن الخيول والحمير ويسوقونها سوقًا عنيفًا مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية وحرافيش العامة، فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل. فلما وقعت الفتنة الأخيرة بمصر وحاربت الفرنسيس بولاق وفتكوا في أهلها وغنموا أموالها وأخذوا ما استحسنوه من النساء والبنات صرن مأسورات عندهم فزيوهن بزي نسائهم وأجروهن على طريقتهن في كامل الأحوال فخلع أكثرهن نقاب الحياء بالكلية وتداخل مع أولئك المأسورات غيرهن من النساء الفواجر. ولما حل بأهل البلاد من الذل والهوان وسلب الأموال واجتماع الخيرات في غي جوار الفرنسيس ومن والاهم وشدة رغبتهم في النساء وخضوعهن لهن وموافقة مرادهن وعدم مخالفة هواهن لو شتمته أو ضربته ... فطرحن الحشمة والوقار والإعتبار".

أقول: تأمل! هذا ما فعله الفرنسيس (أهل العلم والأدب والعرض والشرف!!) في نسائنا وبناتنا ومجتمعاتنا الإسلامية! فشهادة الجبرتي الذي عاصر احتلال جيوش نابليون لأرض مصر لم تعجب الطهطاوي!! فكأنه يوجه رسالة للجبرتي أنا قد سافرت إلى فرنسا وخالطت القوم ودخلت بيوت أهل باريس ومسارحهم وحتى مراقصهم، فلم أجد إلا الوقار والحشمة والعلم!!

لذلك لاغرو أن يثني طابور العلمانيين على هجوم نابليون واحتلاله لمصر لأنه جاء بحملة عسكرية حررت المرأة من رق الإسلام!! وأخرجت المرأة من قفص الحريم!!

فهذا لويس عوض يقول:"هذه المقارنة التي يعقدها رفاعة الطهطاوي بين الرقص الإفرنجي والرقص الشرقي مقارنة مهمة، لأنه تحمل فيها مسئولية التنديد برقص الغوازي ورقص العوالم في مصر ووسمه بالإنحطاط والشهوانية بينما رفع رقص الإفرنجي إلى مرتبة الرياضة والفن الجميل، فهو بهذا يقول لنا إننا أقرب إلى الفسق في لهونا من الأوروبيين. وهذا عكس الفكرة التي صورها الجبرتي عن المجتمع الفرنسي والمصري المختلط الذي رآه يحتفل بالرقص والغناء في عيد وفاء النيل رجاله مع نسائه".

ويقول أبو حمدان:"والجدير ذكره أن هذا الجدل (أي السفور) وأيضًا الإنتفاضات النسوية التي تحدثنا عنها، وجدت أرضًا خصبة لها بعد الحملة الفرنسية على مصر، حيث شاهدت المرأة المصرية وبأم العين مدى الحرية التي تتمتع بها المرأة الفرنسية من التبجيل الذي تحاط من قبل الرجل".

ويلخص الكاتب المذكور مادحًا فكرة الطهطاوي عن المرأة:"وليس ثمة من دليل أقوى على التخلف والتبرير من تلك المجتمعات (يقصد المجتمعات الإسلامية) التي تحجب عن المرأة حقوقها وتمنعها من ممارسة حريتها. هذه هي باختصار شديد الفكرة التي تبناها رفاعة الطهطاوي حينما كان يدعو إلى تحرر المرأة المصرية أولًا والمرأة العربية الإسلامية ثانيًا".

ونحن بدورنا نحاول أن نلقي الضوء على وضع المرأة في المنظومة الغربية، تلك المرأة التي يبشر بها الطهطاوي العالم الإسلامي!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت