ثانيًا: موقف الطهطاوي من قدرة العقل على التحسين والتقبيح
يقول الطهطاوي:"إن العقل هو الفيصل في كل الأمور"ويقول في موطن آخر:"وأما ما وهبه الله تعالى للإنسان خاصة، في حياته المعنوية وصفاته العقلية التي يعبر عنها في تعريفه بالناطقية. فقد وهبه الله تعالى الدماغ الذي هو مجلس الحواس الباطنية والقوى العقلية التي هي آلة الفكر وأداة النظر، وإن شئت قلت الناطقية، أي الجزء الناطق من الإنسان وهو الروح البشرية التي هي عبارة عن الفكر والإرادة، فبالإدراك يقتدر أن يرتب المقدمات لإستخراج النتائج، وأن ينسب الماضي للحال، ويتصرف في عواقب المستقبل، ويتصور أسباب الظواهر الجوية والحوادث السماوية، ويميز الحسن من القبيح والضار من النافع".
ويمدح الطهطاوي ما أفرزته العقول الفرنسية من قوانين قائلًا:"والقانون الذي يمشي عليه الفرنساوية الآن ويتخذونه أساسًا لسياستهم، هو القانون الذي ألفه لهم ملكهم المسمى"لويز الثامن عشر"ولايزال متبعًا عندهم ومرضيًا لهم وفيه أمورلاينكر ذوو العقول أنها من باب العدل. وإن كان غالب مافيه ليس في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم".
وبذلك مهد الطهطاوي من حيث يدري أو من حيث لايدري لقبول التشريع الوضعي الذي يستند إلى العقل على قصوره وعلى مخالطة الشهوات له"."
ويوضح الطهطاوي فكرته قائلًا:"وقد أكرم الله سبحانه وتعالى الإنسان، وخلق له ما في سائر الكون من سائر المنافع، وزينه بالعقل الذي يميز به بين الحسن والقبيح والضار والنافع والخطأ والصواب"نلاحظ أن الطهطاوي أطلق العنان للعقل وقدرته على التحسين والتقبيح بصرف النظر عن قيد الشرع!! ورغم هذه الثقة المطلقة في قدرة العقل على التحسين والتقبيح، نراه يتناقض وهذه الثقة المفرطة!
وهذا ما سنوضحه في الفقرة التالية.