القول الثالث: رأي الأشاعرة وجمهور الأصوليين:"فهم يرون أن الأشياء ليس لها حسن ذاتي، ولاقبح ذاتي. وأن الأمور كلها اضافية، وإن إرادة الله تعالى في الشرع مطلقة لا يقيدها شئ، فهو خالق الأشياء، وهو خالق الحسن والقبيح، فأوامره هي التي تحسن وتقبح ولا تكليف بالعقل، إنما التكليف بأوامر الشارع، ولا عبرة بأوامر العقل، إنما العبرة دائمًا بأوامر الشارع الحكيم. وبذلك خالفوا الماتريدية والمعتزلة، فقرروا أنه لاوجود لحسن ذاتي أو قبح ذاتي ولاتكليف إلا من الشارع"وترتب على ذلك أن أهل الفترة ومن لم تبلغهم دعوة الرسل لايجب عليهم شئ ولا يحرم عليهم فعل، حيث لاحكم لله في أفعال العباد قبل بعثة الرسل ومن ثم فلا تكليف ولاحساب ولامدح ولاثواب ولاعقاب.
وهناك توضيح لشيخ الإسلام ابن تيمية حول هذه القضية حيث ذكر في مجموع الفتاوى:"النوع الأول: أن يكون العقل مشتملًا على مصلحة أو مفسدة ولو لم يأت الشرع بذلك."
كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة، والظلم يشتمل على فسادهم. فهذا النوع هو حسن وقبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك؛ لا أنه أثبت للعقل صفة لم تكن، لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا عليه في الآخرة. النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيئ ليمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه؟ إلا أن يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم (عليه السلام) بذبح ابنه، فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به"."
وهذا قول نفيس للعلامة الشوكاني:"الكلام في هذا البحث يطول، وإنكار مجرد ادراك العقل لكون الفعل حسنًا أو قبيحًا مكابرة ومباهتة، وأما إدراكه لكون الفعل الحسن متعلقًا للثواب، أو كون الفعل القبيح متعلقًا للعقاب فغير مسلم، وغاية ما تدركه العقول أن هذا الفعل الحسن يمدح فاعله، وهذا الفعل القبيح يذم فاعله، ولا تلازم بين هذا، وبين كونه متعلقًا للثواب والعقاب"
القول المختار في قضية التحسين والتقبيح:
وهو القول الثاني قول الماتريدية وبعض الحنفية وبعض الأصوليين وقول ابن تيمية والشوكاني:"هو الرأي الراجح المؤيد بالكتاب والسنة وبالعقل، أما الكتاب ففيه آيات كثيرة تدل على أن الله إنما يأمر بما هو حسن وينهى عما هو قبيح، والحسن والقبح ثابتان للأفعال قبل الأمر والنهي، ومنها قوله تعالى: (إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) وقوله تعالى: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) فما أمر به الشارع من عدل وإحسان ومعروف، وما نهاهم عنه من فحشاء ومنكر وبغي، وما أحل لهم من طيبات وما حرم عليهم من خبائث، كل هذه الأوصاف الحسنة أو القبيحة: كانت ثابتة للأفعال قبل ورود حكم الشرع فيها، مما يدل على أن للأفعال حسنًا وقبحًا ذاتيين."
والعقل يدرك حسن بعض الأفعال وقبح البعض الآخر بالضرورة: كحسن العدل والصدق، وقبح الظلم والكذب، ولكن حكم الله لا يعرف إلا عن طريق الرسول، فما لم يأت رسول يبلغ الناس حكم الله، فلا يثبت في أفعال الناس حكم بالإيجاب أو التحريم بدليل قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا) فلا عذاب قبل بعثة الرسول أو بلوغ الدعوة، وحيث لا عذاب فلا تكليف، وحيث لا تكليف فلا حكم لله في أفعال العباد على وجه طلب الفعل أو التخيير بينهما"."