أولًا: نبذة سريعة عن التحسين العقلي والتقبيح
يذكر علماء الأصول مسألة التحسين العقلي والتقبيح في باب الحاكم أي الذي صدر عنه الحكم وهو المشرع الحكيم؛ الله سبحانه وتعالى حيث قال (إن الحكم إلا لله) (ألاله الحكم والأمر) .. (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) والإجماع منعقد على أن الحاكم هو الله جل جلاله.
إلا أن العلماء اختلفوا في مسألة: هل المكلف مأخوذ بما يقضي به العقل أو هل يمكن للعقل أن يستقل بإدراك أحكام الله وإذا كان كذلك فهل يعد مصدرًا من مصادر الفقه الإسلامي؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال:
القول الأول: رأي المعتزلة والشيعة الإمامية:"إن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان لبعض الأشياء، وإن أشياء تتردد بين النفع والضرر والخير والشر. وبهذا يتحرر أن المعتزلة يرون أن الأشياء أقسام ثلاثة: أشياء حسنة في ذاتها لا يجوز إلا أن يأمر بها الله، وأشياء قبيحة في ذاتها، وهذه لايجوز أن يأمر الله بها، وأشياء مترددة بين الأمرين القبيح والحسن، وهذا القسم يجوز أن الأمر به والنهي عنه، فإن أمر به فهو حسن للأمر، وإن نهى فهو قبيح للنهي. وهذا تقرير مذهب المعتزلة وأساسه الحسن الذاتي والقبح الذاتي، وأن الحسن لذاته يكلف الشخص القيام به، وإن لم يعلم الشرع، والقبيح لذاته يكلف الشخص أن يتجتنبه، ولو كان يعلم نهي الشارع عنه"وترتب على هذا الرأي عدة أمور منها:
الأول: أن أهل الفترة ومن لم تبلغه دعوة الإسلام أو دعوة الرسل مجزيزن على عدلهم محاسبون على ظلمهم فهم مكلفون أن يفعلوا ماهو حسن لذاته وأن يمتنعوا عما هو قبيح لذاته حسب قول المتعزلة والإمامية.
الثاني: إذا لم يكن هناك نص فالناس مكلفون بما يقضي به العقل في الحكم على الأشياء من حسن ذاتي أو قبح ذاتي.
القول الثاني: الماتريدية وبعض الأصوليين: وهو قول أبي منصور محمد بن محمد الماتريدي وهو مذهب بعض الأحناف وبعض الأصوليين وفريق من الإمامية وغيرهم."يقولون إن للأشياء حسنًا ذاتيًا وقبحًا ذاتيًا، وأن الله تعالى لا يأمر بما هو قبيح في ذاته، ولا ينهى عن أمر هو حسن في ذاته، وهم يقسمون الأشياء إلى حسن لذاته، وقبيح لذاته، وما هو بينهما تابع لأمر الله تعالى ونهيه، وهو ذات التقسيم الذي قرره الجبائي المعتزلي. وفي هذا القدر يتفق الماتردية والحنفية مع المعتزلة، لكنهم يختلفون بعد ذلك عنهم، فالحنفية لا يرون أنه لا تكليف ولا ثواب بحكم العقل المجرد، بل إن الأمر في التكليف والثواب والعقاب إلى النص والحمل عليه، فليس للعقل المجرد أن ينفرد بتقرير الأحكام في غير موضع النص، بل لا بد أن يرجع إلى النص أو يحمل عليه بأي طريق من طرق الحمل، بالقياس أو المصلحة المعتبرة المشابهة، لما جاء بالنص، وهذا هو الإستحسان. وفي الجملة لابد من الرجوع إلى النص في الجملة فليس للعقل المجرد قدرة على التكليف، والحكم على الأشياء، بل لابد من الإستعانة بالشرع"وترتب على ذلك أن حكم الله لابد أن يدرك بواسطة الرسل ومن ثم فلا حكم في أفعال العباد بدون هذه الواسطة إذن فلا ثواب ولا عقاب حيث لاتكليف.