وفي هذا السياق يقول الدكتور محمد رشاد ردًا على الذين ينبهرون بهذه المفردات الغربية:"إن الإنسياق وراء هذا المفهوم - ونحن ننبه هنا أننا لاننكر الرقي المادي في إطار أخلاقي معين، ولانقلل من قيمته ـ يجرنا دون وعي إلى احتقار الجانب الأكثر قيمة في تاريخنا، إننا إذا طبقنا هذا الإصطلاح بمفهومه المادي على تاريخنا فسوف نسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير الخلق، ونسلك أصحابه وهم خير جيل من البشر في عداد المتخلفين حضاريًا وذلك لأنهم عاشوا حياة بسيطة خالية من التكلف والتعقيد في المأكل والمشرب والمسكن وطرائق الحياة المختلفة، مع أننا انطلاقًا من مفهومنا الخاص للحضارة نتخذ من هذا المظهر دليلًا على سمو الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعلى نبلهم وعظيم خلقهم."
إننا بهذا المفهوم لا نسيئ إلى تاريخ الإسلام وحده وإنما نسيئ إلى تاريخ الإنسانية كلها؛ إذ نهدر بذلك قيمة أخلاقية قدرتها وأجلتها الإنسانية عبر تاريخها وفي جميع عصورها وفي مختلف أديانها، وهي قيمة الزهد في عرض الدنيا وأشيائها ومتعاها وأدواتها لا عن جهل بها، ولا عن عجز عن استعمالها، ولكن ادراكًا لقيمتها الحقيقية وهي التغير والزوال وإيثارًا لما هو أبقى، وهذه أعلى مراتب الإدراك، والقدرة على ضبط النفس، وهي أرقى مراتب الأخلاق. وإن علينا أن نستعيد ثقتنا في أنفسنا والتي فقدناها أمام ضغط الفكر الغربي والحضارة الغربية.
إننا إن فعلنا ذلك تخلصنا من أسر المصطلحات التي استعبدت عقولنا لحساب الغرب وحضارته. وهذه المصطلحات التي لاتمثل مقياسًا إنسانيًا شاملًا تقاس به الأفكار والمعتقدات والحضارات ـ كما يزعمون ـ وإنما تمثل وجهات نظر خاصة للأفكار والمعتقدات، والحضارات تمثل عقول مبتدعيها، وقد توافق الحق أو تخالفه فيما يتعلق بالآخرين.
لو ووثقنا في أنفسنا لتحررنا؛ ولو تحررنا لرأينا الأشياء على حقائقها، ولعرفنا أنفسنا على حقائقها"وتصداق ذلك ينقل لنا الطهطاوي صورة كاملة لمأكل وملبس الفرنسيس نختار منها:"أحضروا لنا عدة خدم فرنساوية لانعرف لغاتهم، ونحو مئة كرسي للجلوس عليها، لأن هذه البلاد يستغربون جلوس الإنسان على سجادة مفروشة على الأرض، فضلًا عن الجلوس بالأرض، ثم السفرة للفطور، ثم جاءوا بطبليات عالية ثم رصوها من الصحون البيضاء الشبيهة بالعجمية، وجعلوا قدام كل صحن قدحًا من القزاز وسكينة وشوكة وملعقة، وفي كل طبلية نحو قزازتين من الماء وإناء فيه ملح وآخر فيه فلفل، ثم رصوا حوالي الطبلية كراسي لكل واحد كرس، ثم جاءوا بالطبيخ فوضعوا في كل طبلية صحنًا كبيرًا أو صحنين ليغرف أحد أهل الطبلية ويقسم على الجميع، فيعطي لك إنسان في صحنه شيئًا يقطعه بالسكينة التي قدامه، ثم يوصله إلى فمه بالشوكة التي بيده، فلا يأكل الإنسان بيده أصلًا ولا بشوكة غيره أو سكينته أو يشرب من قدحه أبدًا، ويزعمون أن هذا أنظف وأسلم عاقبة"ويسترسل الطهطاوي في وصف الصحون والأطباق وأطنب الطهطاوي في الهيام بالشوربة الفرنسية والقهوة والشاي والمقبلات والسلاطة!! لكنه نسي أن يذكر لنا هل كان يمسك الشوكة بيده اليمنى أم اليسرى!!"
ولايخفى علينا أن هذا الإسهاب في وصف البيت الفرنسي ليس من قبيل التسلية وإضفاء مسحة التشويق في الكتابة، بل إن الطهطاوي نقل أنموذجًا غريبًا إلى مجتمعاتنا الإسلامية بحكم أنها شعوب مقهورة، ومغلوبة على أمرها، والمغلوب يتطلع دائمًا إلى من هو أقوى منه سواء في الحكم أو في المأكل والملبس! فالطهطاوي نظر إلى الأنموذج الغربي على انه أرقى درجة التحضر والتمدن وأرقى عقلانية وأوسع معرفة! هكذا ينظر المهزوم إلى المنتصر! هكذا ينظر المغلوب التائه الحائر إلى القوي المتغلب!