الصفحة 15 من 58

وقد سبر اين خلدون غور هذه الأنفس المنهزمة فشخص لنا هذه الحالة المتكرة في تاريخ الإنسانية بقلمه الواعي الراصد لمثل هذه الظواهر البشرية:"المغلوب دائمًا مولع بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده."

والسبب في ذلك أن النفس تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه؛ إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب وتشبهت به.

وذلك هو الإقتداء أو لما تراه ـ والله أعلم ـ من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولاقوة بأس، وإنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب تغالط أيضًا بذلك عن الغلب.

وهذا راجع للأول، ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه، في أخذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله.

وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائمًا. وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم.

وانظر إلى كل قطر من الاقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند السلطان في الأكثر لأنهم الغالبون لهم حتى إنه إذا كانت أمة تجاور أمة أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم هذا التشبيه والإقتداء حظ كبير.

تأمل هذا في سر قولهم: العامة على دين الملك! فإنه من بابه. إذ الملك غالب لمن تحت يده والرعية مقتدون به لإعتقاد الكمال فيه"."

أقول: الشيخ رفاعة الطهطاوي بهرته الحضارة الغربية المادية ولأنه مهزوم ومغلوب اعتقد فيهم الكمال فنقل لمجتمعاتنا الإسلامية صورًا سياسية واقتصادية واجتماعية وحياتية لهذا المتغلب القوي لكي يحتذي به عالمنا الإسلامي وهنا كان مكمن الخطورة لدى التجربة الطهطاوي في باريس فنراه ينقل لنا كل شئ في فرنسا حتى حفلات الرقص يصفها بالتفصيل بل ويحسنها.

وهذا ما سنتكلم عنه في الفصل الثالث من هذا الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت