الصفحة 96 من 103

إلى السلطان أحمد تكدار [1]

بسم الله الرحمن الرحيم

بقوة الله تعالى

بإقبال دولة السلطان الملك المنصور

كلام قلاوون إلى السلطان أحمد

أما بعد حمدا لله الذي أوضح لنا وبنا الحق منهاجا، وجاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي فضله الله على كل نبي نجى به أمته وعلى كل نبي نجى، صلاة تنير ما دجا، فقد وصل الكتاب الكريم المتلقى بالتكريم والمشتمل على النبأ العظيم من دخوله في الدين، وخروجه عمن سلف من العشيرة الأقربين، ولما فتح هذا الكتاب بهذا الخبر العلم المعلم، والحديث الذي صحح عند أهل الإسلام إسلامه وأصح الحديث ما روى عن مسلم، توجهت الوجوه بالدعاء إلى الله سبحانه في أن يثبته على ذلك بالقول الثابت وأن ينبت حب هذا الدين في قلبه كما أنبت حسن النبت من أخشن المنابت وحصل التأمل للفصل المبتدأ بذكره من حديث إخلاصه في أول عنفوان الصبا إلى الإقرار بالوحدانية، ودخوله في الملة المحمدية، بالقول والعمل والنية، فالحمد لله على أن شرح صدره الإسلام، وألهمه شريف هذا الإلهام، فحمدنا الله على أن جعلنا من السابقين إلى هذا المقال والمقام، وثبت أقدامنا في كل موقف اجتهاد وجهاد تتزلزل دونه الأقدام.

وأما إفضاء النوبة في الملك وميراثه بعد والده وأخيه الكبير إليه، وإفاضة جلابيب هذه النعمة العظيمة عليه، وتوله للأسرة التي طهرها الله بإيمانه وأظهرها بسلطانه، فلقد أورثها الله من اصطفاه من عباده، وصدق المبشرات من كرامة أولياء الله وعباده.

وأما حكاية الإخوان والأمراء الكبار ومقدمي العساكر وزعماء البلاد في مجمع قوريلتاي الذي ينقدح فيه زند الآراء، وأن كلمتهم اتفقت على ما سبقت به كلمة أخيه الكبير في إنفاذ العساكر إلى هذا الجانب، وأنه قد فكر فيما اجتمعت عليه آراؤهم وانتهت إليه أهواؤهم فوجده مخالفا لما في ضميره: إذ قصده الصلاح ورأيه الإصلاح وإنه أطفأ تلك الثائرة وسكن تلك الثائرة فهذا فعل الملك المتقي المشفق من قومه على من بقى، المفكر في العواقب، بالرأي الثاقب، وإلا فلو تركوا وآراءهم حتى تحملهم الغرة، لكانت تكون هذه هي الكرة، لكن هو كمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فلم يوافق قول من ضل ولا فعل من غوى.

وأما القول منه أنه لا يحب المسارعة إلى المقارعة إلا بعد إيضاح المحجة، وتركيب الحجة، فبانتظامه في سلك الإيمان صارت حجتنا وحجته متركبة على من غدت طواغيته عن سلوك هذه المحجة متنكبة، فإن الله سبحانه وتعالى والناس كافة قد علموا أن قيامنا إنما هو لنصرة هذه الملة، وجهادنا واجتهادنا إنما هو لله، وحيث قد دخل معنا في الدين هذا الدخول، فقد ذهبت الأحقاد، وزالت الذخول، وبارتفاع المنافرة، تحصل المظافرة، فالإيمان كالبنيان يشد بعضه ببعض، ومن أقام مناره فله أهل بأهل في كل مكان وجيران بجيران بكل أرض.

وأما ترتيب هذه الفوائد الجمة على أذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن، أعاد الله تعالى من بركاته، فلم ير لولي قبله كرامة كهذه الكرامة والرجاء ببركته وبركة الصالحين أن تصبح كل دار إسلام دار إقامة حتى تتم شرائط الإيمان، ويعود شمل الإسلام مجتمعا كأحسن ما كان، ولا ينكر لمن بكرامته ابتداء هذا التمكين في الوجود أن كل حق ببركته إلى نصابه يعود.

(1) القلقشندي: صبح الأعشى جـ7 ص237 - 242، المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص980 - 984.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت