التمهيد
حالة المجتمع الإسلامي
في عهد ابن تيمية
التمهيد
حالة المجتمع في عهد ابن تيمية
عاش ابن تيمية في مجتمع فاجأته أحداث خطيرة اجتاحت العالم الإسلامي كما يحتاج السيل الجارف كل ما في طريقه من نبات وحيوان، ففي الشمال والشرق هبت رياح عاصفة اقتلعت كل ما كان للمسلمين من حضارة وجاه وسلطان على أيدي المغول، ولعل من الأسباب التي أضعفت قوة المسلمين وأعجزتهم عن مقاومة الموجة الساحقة التي اجتاحت بلادهم ما كان داخل البلاد من أمراض وعلل فرقت كلمتهم وشتت شملهم إذ انتشرت الفرق الضالة من أصحاب البدع والخرافات التي أبعدت العامة عن فهم الشريعة الإسلامية على وجهها الصحيح، وقد وجدت هذه الفرق أمثال النصيرية [1] ، والدروز [2] ، وغيرهم الطريق ممهدا أمامها لنشر مبادئها الفاسدة لدى العامة، حيث كانوا لا يفهمون الشريعة الإسلامية فهما صحيحا مما سهل على تلك الفرق إدخال ما يريدون باسم الشرع، والأمر الذي جعلهم يقومون بمعاونة أعداء الدين في مهاجمة بلاد المسلمين كراهية منهم للإسلام وأهله.
ولما كان هذا العصر يمتاز بوجود مجموعة كبرى من العلماء الأجلاء الذين أحسوا بأخطار البدع، والضلالات تسري في جسم الأمة، والبلاء الذي فاجأهم على أيدي العنصر الهدام عنصر المغول، وتجسدت أمامهم المسئولية أمام الله عن حماية هذا الأمة من الفساد، والدفاع عنها ووقايتها من البلاء الذي يجتاح كل شيء في كيان الأمة، وبخاصة عقيدتها الإسلامية. وكان على رأس هؤلاء العلماء إمام عالم عامل هو الشيخ تقي الدين بن تيمية الذي نفخ في علماء عصره من روحه ما جعلهم يبذلون كل إمكاناتهم العلمية والمالية في سبيل تنقية الإسلام مما علق به من البدع والخرافات وما أصاب المسلمين من الضعف، والجبن ليعيدوا الإسلام كما كان منهاج عمل، وعقيدة، فرفع الروح المعنوية للمسلمين للدفاع عن الإسلام والتضحية في سبيله بكل ما يملكون.
فقاد هذه الحركة ابن تيمية ومعه زملاؤه من العلماء وجعلوا غايتهم هي إرجاع الأمة الإسلامية إلى التمسك بالكتاب والسنة وتربية جيل من شباب المسلمين يحمل راية الجهاد لتكون له إحدى الحسنيين، إما النصر في الداخل على البدع والخرافات وفي الخارج على أعداء الإسلام وإما الشهادة في سبيل هذه الغاية.
الحالة السياسية في عهد ابن تيمية:
ولد ابن تيمية كما ذكرنا سابقًا سنة 661هـ بعد تدمير بغداد قلب العالم الإسلامي بحوالي خمس سنوات [3] ، فأدى انهيار القلب إلى شلل بقية الأعضاء، فتساقطت بقية بلاد العراق في يد التتر الواحدة تلو الأخرى فنشأ ابن تيمية وهو يرى تخاذل المسلمين وتكاسلهم عن نصرة دينهم مما أدى بهم إلى هذا المصير.
(1) النصيرية: من غلاة الشيعة يرون ظهور الحق بتأليه الإمام علي بن أبي طالب والأئمة، رد عليهم ابن تيمية برسالة سماها النصيرية. أنظر: عبد السلام هاشم حافظ: الإمام ابن تيمية، ص 64.
(2) (( الدروز: جماعة من سكان سورية ولبنان يقيمون بجبل الدروز في سوريا وبقاع كثيرة من لبنان يدعون أنفسهم الموحدين، أصلهم اسماعيلية فاطمية يؤمنون بإمامة الحاكم بأمر الله الفاطمي وهم محاربون أشداء يميلون إلى الاستقلال بشئونهم. أنظر: شفيق غربال: الموسوعة العربية الميسرة، ص792.
(3) ابن العماد: شذرات الذهب، جـ 5 ص270، 271، ابن الوردي: تتمة المختصر في أخبار البشر جـ2 ص282 - 284.